قصة الزوج المسافر فاطمه الألفي

 قصة 

__ الزوج مسافر  __ 

"تَركَ الباب خلفهُ مؤارب" 


الجميع يرتدي ثوب الشرف والفضيلة؛ وفي الحقيقة سوف تسقط الأقعنة التي ستكشف عن الوجوه التي أنغمست في وحل الظلمات، سيتجرد كل شيء وسيصبح الجميع عاري تمامًا لنرى الحقائق..

❈-❈-❈


زحفت دياجير الليل في كبد السماء وتوارى القمر خلف سُحبه العتمة، وهو جالسًا بمقعده على متن الطائرة العائدة إلى وطنه، لم ياتي هذه المرة بالفرحة التي أعتادها فقد تلاشت إبتسامته البشوش خلف قلقه الزائد، كان يتطلع بين فنية وأخرى عبر نافذة الطيارة حيث السُحب التي غطت ديجور السماء في ذلك الطقس المُلبد بالغيوم، رغم برودة الطقس إلا أنه يشعر بحمم بركانية تنهش قلبه ، جعلته في تيه، فما سمعه من جارهُ لا يُبشر بالخير، مما جعله يترك عمله على وجه السرعة ويعود ليتمحص أمر الاقاويل والأحاديث التي تتردد في غيابه عن منزله وما يحدث خلف الأبواب المُغلقة ..  

عندئذ هبطت الطائرة المصرية العائدة من "دبي" داخل مطار القاهرة الدولي، ترجل "رحيم" من الطيارة بفكر شارد. 

"أربعيني، طويل القامة،بجسد عريض، قمحي البشرة، جبهة مسطحة عريضة بها بعض خطوط التجاعيد البسيطة، وعينان بنيتان كالشكولاتة ذات أهداب كثيفة وحاجبين كثيفين،وانف مستقيم، وشفتي غليظة، ذا شارب خفيف وذقن بها بعض الشعيرات البيضاء وخصلات شعره الأسود امتزجت بالخصلات البيضاء فأعطته لونًا رماديًا جذابًا "

أنهى أجراءات مغادرته بتوتر ملحوظ، وجبينه يتعرق رغم طقس يناير وبرده القارص، أوقف سيارة أجرة من أمام المطار  تقله إلى وجهته المنشودة وهو يشعر بتسارع نبضات قلبه كأنها تقرع كالطبول أثر ما يُعاني منه من تخبط وتشتت، وعيناه تنظر في الفراغ بذهن شريد...


❈-❈-❈

جلس "شريف" بسيارته على جانب الطريق وهو ينتظر سكون الليل لكي لا يراه أحد ولم تشعر به الأطفال، لذلك ظل قابعًا بسيارته منتظر الرسالة التي ستجعله يتحرك إلى وجهته دون الخوف من أن يمسك به أحدى الجيران وتحدث بلبلة 

"شريف شاب في الثلاثون من عمره، ذا ملامح وسيمة، مفتول العضلات وطويل القامة بجسد رياضي،أبيض البشرة، يتميز بعينان بنيتان وحاجبين رفعين هرمي الشكل وشعر يميل إلى اللون البني، أنف صغير وشفتي منتفخة قليلا ذا ذقنة نامية متصلة بشارب" يرتدي ثياب كاجول، قميص يترك أول زرارين مفتوحين، وبنطال من الجينز، يهتم بمظهره وبقصة شعره وعطره الماركة العالمية، حَسن المظهر 

صدح رنين هاتفه مُعلنًا عن وصول رسالة، فتحها بلهفة وهو يبتسم بسعادة ويقرأ المدون داخلها

" حبيبي.. هيا أصعد دون أن يرأك أحد من الجيران، الأولاد ذهبوا في نوم عميق، أنتظرك بشوق حار" 

ترجل من سيارته مُسرعًا ودس الهاتف بجيب بنطاله ثم سار بخطوات حذرة يدلف لداخل البناية ولم يرد أن يصعد بالمصعد الكهربائي لكي لا يلتقي بأحد السُكان صدفة، فهو يصعد الدرج حيث الطابق الثالث وهو يتلفت حوله كلما صعد طابق يخشى أن يوقعه أحد ويمسكه بالجُرم المشهود، ابتلع ريقه بتوتر عندما وصلا لمبتغاه، تنفس الصعداء، ثم انحنى بجزعه يرفع السجادة الموجودة أمام الباب ليحصل على المفتاح التي تركته له معشوقته الفاتنة، التقط المفتاح ودسه بالمزلاج، داره وفتح الباب بخفة وولج لداخل بخطوات واسعة أشبه بالركض ثم أغلق الباب خلفه برفق، سار إلى حيث الغرفة الخاصة بلقاءهم الحميمي، فتح مقبض الباب ودلف ليجدها في انتظاره بغلالة حريرية ناعمة من اللون العاجي، تبتسم له بحب، أقترب منها بِولة متوق لعناقها ملامسة جـ سدها وتملكها بين يديه في تلك اللحظات المُحرمة، أطبق بشفتيه على عُنقها يُمطرها بقُبلات تُدغدغ أوصالها، تسري قشعريرة كهرباء في جسدها كأنها صُعقت بماس كهربائي، تشبثت بأحضانه تطالبه بالمزيد وهو لم يبخل عليها من عاطفته المتأججة، طوق خصرها الممشوق بتملك، اعتصرها بقبضته وهو مُطبق بلمساته على كل ثنايا جسدها لتنساق معه، تبادله الاشتياق المُولع بينهما في لحظات حميمية خاصة بكلاهما فقط، ناسين العالم من حولهم. 


❈-❈-❈

أعطى السائق نقوده وترجل من السيارة يدلف داخل البناية التي يسكن بأحدى طوابقها ، ضغط زر المصعد وأستقله ليصعد إلى حيث شقته، مرت عليه الثواني كالدهر ولا زال بعالم أخر، يريد أن يثلج صدره بما سمعه، يريد أن يخرص الالسنة التي تتناقل بين الجيران، يتمنى أن يصبح كل ما سمعه مجرد اكاذيب من إناس حاقدين عليه هو وأسرته لذلك أشاعوا هذه الإشاعات من أجل غيرة عمياء أو حقد وحسد بسبب حياتهم الهادئة الهنية السعيدة كما يظن هو، عندما وصل لباب الشقه فتح الباب بالمفتاح بيد مُرتجفة ولكن حاول التماسك وخطى بقدميه داخل الشقه بانفاس محبوسة وخطوات مضطربة، أغلق الباب بهدوء ورفق ثم سحب شهيقَا طويلا زفره بهدوء ولكن أنقطعت أنفاسه عندما استمع لهمهمات اتية من غرفة نومه، سار على أطراف أصابعه وهو يسترق السمع ليستمع لصوت أنفاس لاهثه وآهات خافتة يعلمها جيدًا، فتح مقبض الباب بلهفة ليرى الطامة الكبرى، التي زلزلت كيانه وحطمت كبريائه كرجُل شرقي، توقف به الزمن وانعدمت الرؤية تمامًا، أظلمت الدنيا فجأة وأنتهى كل شيء في لمح البصر، تمنى الموت قبل أن يرى ما رأه ويسمع ما سمعه، يا ليته كان ضريرًا وأصمًا لكي يختفي هذا المشهد من ذاكرته للأبد 



صدمة شلت حواسه؛ جعلته مُتسمرًا مكانه دون حراك، فقط عيناه تُحدق بأخر شيء يتوقع أن يراهُ بحياته.

تشوشت الرؤية وكادت معدومة وهو واقفًا عاجزًا عن أتخاذ القرار، لا زال غير مستوعب ما حدث، توقف به الزمن عند هذا الحد وهو يرى زوجته ورفيقة عمره بأحضان رجُلا أخر وياليته غريبًا عنه لا يعرفه؛ لكن هيهات فالشخص الذي كان يستحل جـ سد زوجته لم يكن إلا شقيقه الأصغر الذي يعامله كطفله ويثق به أكثر من نفسه، هو أول من طعنه بظهره وسدد له طعنات من سكين الغدر والخسة والندالة، طعنة قاتلة أصابت قلبه النازف على خيانة أحب الناس إلى قلبه.. 

هوى جسده أرضًا فلم تعد قدميه تحمله بعد هذه الصدمة التي أهتزت لها السماء ودوى صوت الرعد وازداد قعقعة وقصف، وهطلت الأمطار الغزيرة ولم تزداد إلا شدةً، كأن الكون كله ثار غاضبًا في عاصفة هوجاء رافضًا الخطيئة. 


صرخ بأعلى طبقات صوته وهو يزمجر في غضب جامح وعيني تشتعل بوهج مُستعر، يود أحراق الأخضر واليابس 

وخرج صوته المرتاع :

- لماذا..؟ ماذا فعلت بحقكم لكي أنال منكم هذا؟ ماذا فعلت بحق الجحيم؟ 

وعلى حين غرة استجمع "رحيم" شتاته المبعثر ونهض يقف أمامهم بجمود وهو يدس يده داخل سترته ليخرج منها سلاحًا أبيض قد أبتاعه عندما نهش الشك قلبه ودسه خلسة خلف هاتفه الخلوي لكي يمر بسلام من المطار دون الإيقاع به. 

عندما أشهر ذلك السلاح وقبض بكل قوته عليه، شهقت "أماني" بذعر وارتجف جسدها وهي ترتد للخلف وتقول بصوت مُهتز:

- لا تفعلها "رحيم" أرجوك من أجل أولادنا لا ترتكب جريمة 

ضحك بازدراء وخرج صوته كالفحيح:

- حقًا أدركتي الان أن لك أولاد وتخافين عليهم، يا لكِ من أُم حنون، تمتلك قلبًا لا مثيل له

لا زال الذعر والهلع مرسوم على صفيحة وجوههم،

حاول "شريف" تشتيت شقيقه لكي لا يفعلها وقال بتوسل :

- نحن أخطأنا بحقك، سامحنا ولا تضيع نفسك، أذا فعلتها سيكون مصيرك السجن وستقضي على مُستقبلك ومُستقبل أطفالك 

صرخ بوجهه منفعلا:

- عن أي مُستقبل تتحدث عنه يا أخي المصون 


قرر شريف الهرب من تلك المواجهة وركض وهو يحتمي بثيابه ولكن قبل أن يفر بفعلته، أستوقفه شقيقه بعيون دامعة وأوصد الباب بالمفتاح ووقف يحاصرهما بنظراته المُتسئالة الحزينة، لما فعل به شقيقه هكذا؟ 

طأطأ الأخير رأسه ونظر أرضًا خجلا من التطلع بعينين شقيقه الأكبر، أما زوجته وارت جسدها العاري ودثرته بشرشف الفراش المُدنس بخيانتها وظل جسدها يرتجف في ذعر تخشى تهور زوجها والانقضاض عليها ليقتلها دفاعًا عن شرفه ويتخلص منها للأبد . 


جال أمام عينيه الأن شريط حياته منذ اللحظة التي جمعته بزوجته "أماني" تحت سقف واحد، كانت حقًا كل أمانيه أن يفوز بقلبها وتصبح زوجته يومًا ما، كانت حياتهم وردية يعيشون في حُب وسعادة وبعد أنجاب طفلهما الأول "كرم" قرر السفر إلى الخارج من أجل حياة أفضل وعيشة كريمة لعائلته، أراد أن يفعل لهما كل ما يتمنونه، لا يُريد لطفله أن يُحرم من شيء هو حُرم منه قبل، فقد ذاق في صغره حياة بائسة بسبب وفاة والده وهو الابن الأكبر الذي تحمل مسئولية والدته وأشقائه الأصغر، حُرم نفسه كل متاع الحياة من أجل أسرته كان يعمل بكل جد وتعب لتأمين لهم حياة سعيدة خالية من الحرمان وفعل المستحيل لكي لا يتضرع طفله وينال نفس حظه العاثر من الدنيا، وبالفعل سافرًا إلى أحدى الدول العربية وكان يأتي على فترات مُتباعدة وانخرط في حياة الغربة وانجب من الأطفال ثلاثة، اكبرهم "كرم" ذا التاسعة أعوام ويليه "روان" التي تبلغ من العمر سبعة، والصغرى "ريم" ذات الخمسة أعوام؛ وتبدلت حياتهم للأفضل بسبب سفره وسعى الكثير من أجلهم ليامن لهم حياة مُرفهة خالية من التعب والمعاناة التي ذاقها في صغره.. 


ابتسم "رحيم" بسخرية وهو يجد نفسه في ذلك الموقف الذي لا يُحسد عليه، واقفًا أمام زوجته وشقيقه في مشهد يقشعر له الأبدان، هل هذا الذي يناله مكافأة على غربته وعلى معيشتهم الرغداء بسبب عمله بالخارج من أجل جني المال لهم، ماذا أخطأ لكي ينال هذا العقاب؟ لماذا القدر يعانده ولن يتركه سعيدًا؟

وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

يتمنى في تلك اللحظة أن يستيقظ من ذلك الكابوس المفزع ولكن ليس كل مايتمناه المرء يدركه، فهو ليس داخل حلمًا أو كابوسًا أنما هي الحقيقة والواقع المؤلم...


فاق من ذكريات الماضي وأستجمع شتات نفسه المبعثرة وقبل أن يثور غضبًا ويرتكب جرم في حق نفسه وحق أطفاله تمالك غضبه الجامح وقرر فعل الصواب من أجل أطفاله فقط، وسقط السلاح الأبيض من قبضته، دعسه تحت قدمه ثم اخرج هاتفه من جيب بنطاله وهاتف الشرطة قائلا بكلمات مُقتضبة، خرج صوته جامدًا تلك المرة:

- أريد الأبلاغ عن واقعة "زنا" داخل منزلي القابع بمنطقة المعادي،  بناية رقم 55، الطابق الثالث 

ثم أغلق الهاتف بجمود تحت توسلات زوجته التي تبكي بحرقة غير مصدقة بما يفعله زوجها، وحاول شقيقه الاقتراب منه، دفعه "رحيم" بعيدًا عنه وقال :

- لم ارتكب جرم من أجل أطفالي ولكنكما تستحقان القتل ألف مرة على خيانتكم وبشاعة أفعالكم وأنا المُغيب الذي لا يعلم بما يحدث خلف ظهري من زوجتي أم أولادي وشقيقي.

ثم اردف وهو يتطلع لشقيقه قائلا بحزن وأنكسار :

- هيا أنظر في عيني أخبرني لما فعلت بي ذلك؟ لما خنت شقيقك الذي كان على أستعداد أن يُضحي بعمره من أجلك، أنت تفعل بي هذه الفعلة الشنيعة هيا أحبرني هل أستحق منك هذا يا صغيري؟

جلس عند قدم شقيقه يتوسله وهو يبكي بندم ويعتذر منه على ضعفه وانه تملكه الشيطان وهو يقدم على تلك الفعله كأنه كان مُغيب ينساق وراء غرائزه ويطلب منه السماح

دفعه "رحيم" بقدمه وهتف به منفعلا:

- لم تعد شقيقي منذ تلك اللحظة التي خونتني فيها وطعنتي في شرفي

وقال ساخرًا:

يجب أن تتجرد من أسمك "شريف" لابد وأن نبدله لتكون كنيتك الخائن وليس "شريف" لن تستحق نيل ذلك الأسم بعد الآن.

ثم القى نظرة طويلة على زوجته وقال:

- ستدفعين ثمن فعلتك غاليًا، سوف أاخذ منكِ أطفالي وتمالكت نفسي من أجلهم، سوف أجعلك تتجرعين مرارة ما فعلتيه بحقي وحق أولادي اللذين لم تفكرين بهم لحظة واحدة وأنسقتي وراء ملاذك المُحرم، أنتِ عار عليهم ويجب التخلص منكِ للأبد.

أنتفض جسدها أثر كلماته اللاذعة، انهمرت دموعها التي تتساقط بحرقة وهي ترتمي أسفل قدمه تريد تقبيلها :

- أرجوك يا "رحيم" أرحمني من أجل سمعة اطفالك

ركلها بقدمه وقال صارخًا:

- وأنتِ لم تفكري باطفالك عندما أقدمتي على الدعس بشرفي وعلى خيانتي، لماذا لم ترحميني أنا أيضًا؟ 

قالت من بين دموعها :

- أنت الذي قصرت بحقي، وجدت نفسي وحيدة، كلما ضاقت عليَّ الدنيا لم أجدك جانبي، دائما بالعمل بعيدًا عني وعن أولادك، كم مرة أحتاجت لك طالبتك العودة وأنت كُنت ترفض من أجل جمع المال؟ كم مرة أخبرتك أننا نريدك معًا، عد ويكفي غربة ولكنك ترفض؟ كم مرة أخبرتك بوحدتي ومرضي ليالي طويلة ولن أجد من يواسي وحدتي و يُطيب جراحي؟ كم كانت معاناتي وأنا اتحمل مسئولية ثلاث أطفال وحدي، يمرضون بمنتصف الليل فلم أجد معين، يحتاجون لوجودك لكي تطمئنهم فلم يجدونك، اركض وحدي في هذه الدنيا دون يد تربت عليَّ، دون حضن يحتويني ويطمئنني، كلما أخبرتك عن احتياجي لك تحججت بالعمل والمال الوفير، وكلما شعر أحد من ابنائي بمرض كنت أجد شقيقك هو الذي يأتي إلينا ويخفف الأوجاع ويواسي العبرات، أنت من فعلت بنا ذلك، انت المُتسبب الأول في كل هذا الذي حدث معًا، كلما طالبتك بشيء تقول لي أخبري شريف سيكون معكِ، سيكون جانبكِ، سيفعل كل شيء كأني موجود وها هي كانت النتيجة، أحببت شريف الذي دائما أجده أمامي في كل وعكة اتعرض لها، في كل أذمة أجده جانبي، يشاركنا حياتنا اليومية، أصبح هو الاب في غيابك والزوج أيضًا، هو السند والمعين هو الصديق والحبيب وأنت كُنت السراب، لا تحاسبني، حاسب نفسك أولا قبل أن تلقى التُهم عليَّ. 


توقف به الزمن عند تلك النقطة وعاد بذاكرته عندما كان منشغلا بعمله ويأتيه أتصالا منها ويغلقه فورًا بعد عدة ثواني، فقط يخبرها بأنه منشغل وسوف يعاود الاتصال بها ريثما ينتهي عمله ولم يتصل ينشغل أكثر بالعمل ثم يعود إلى مسكنه يأكل ويذهب للنوم وينسى الاتصال بزوجته ومعرفة سبب أتصالها وأحتياجها، وبعد يومين علم من شقيقه بأن طفله خضع لعملية الزائدة الدودية وهو بالمشفى، فما كان من زوجته إلا أنها ثارت غاضبة عليه وهو ظل يحاول تهدئتها وأن الأمر ليس بيده ومن يومها هذا وطلب من شقيقه أن يظل جانبهم في كل شيء، يفعل كل ما يحتاجون له ويسد فجوة غيابه واحتياج صغاره لوجوده، إلى أن تطور الوضع ولم تعد زوجته تشتكي له تقصيره وأنشغاله عنهما..


أنهمرت دموعها گالشلال وشردت بما حدث لها على مدار الأعوام الماضية، فهي أنثى في ريعان شبابها، لديها مُتطلبات وأحتياج غريزي داخلها، أشتاقت لزوجها وأخبرته بضرورة عودته ولكنه لم يكترث لحديثها ولا يعطي أهمية وتركها تتخبط بين أفكارها وبرودة جسدها التي كانت تتمنى عناقًا يحتويها وينشلها من صقيع الليالي المظلمة التي تُعانيها يوميًا كلما أوت إلى فراشها الخالي من الدفء والأمان.

تذكرت أهتمام "شريف" بها وبأطفالها، مرحه المعتاد، زياراته المتكررة والمنزل الذي أصبح يعج بالفرحة وضحكات الصغار تصدح بأرجاءه بعدما كان لم يسكنه إلا الصمت والمشاعر الباردة، والاحتماء ليلا وداخلهما الخوف الذي سيطر عليهم بسبب غياب والدهم درع أمانهم وحمايتهم.

ذات يوم وأثناء ما هي مُنشغلة بأعداد الطعام وتركت صغارها أمام التلفاز، صدح رنين جرس الباب، ركض صغيرها يفتح الباب لتتهلل أساريره فرحًا وهو يصرخ بسعادة بسبب قدوم عمه.

أنحنى شريف يقبله ويعطيه ما يحمله بيده من حقائب من الهدايا التي جلبها من أجلهم

- كيف حالك يا بطل؟

-بأفضل حال عمي العزيز

- تفضل هذا من أجلك وأجل الفتيات الجميلات

التقط منه الحقائب بفرحة ودلف لداخل، لحق به عمه وتسأل عن وجود والدته

هتف الصغير بأنها بالمطبخ تعد لهما الطعام، تركهم وسار متوجهًا إليها وقف على اعتابه يطالعها خلسة دون أن تشعر، وعندما وجدها تمد ذراعيها لتجلب الطحين من أعلى دولاب المطبخ الخاص بخزين الطعام، وهي تحاول أن ترفع أطراف قدميها لكي تشب بطولها وتلتقط الغرض ولكن فشلت كل محاولاتها وتأففت بضجر

ضحك هو على انفعالها وقال بصوت حاني:

- اتركي لي هذا، لا تحاولين أنتِ قصيرة للغاية

تذمرت بطفولة وقالت:

- لست بقصيرة وأنما المكان بعيدًا فقط ليس إلا

مد يده وجلب لها غرضها وهو قريبًا منها عيناه تحدق بعينيها وتهبط على ملامح وجهها إلى أن أستقرت عند شفتيها المنتكزة، وجد نفسه هائمًا على وجهه ويحني رأسه ليلتقط شفتيها بشفتيه في قُبلة عاصفة بكيانهما، لم تدرك الفعلة المتهورة ووجدت نفسها تبادله القُبلة بنهم، كأنها تتوق للمزيد، فجأة فاقت من تلك المشاعر وتركت المطبخ ركضًا إلى غرفتها وهي شاعرة بالندم على تجاوبها تلك المشاعر التي كانت تدفنها داخلها، شعرت بالتشتت والتخبط وظلت واقفة أمام مرآتها تطالع نفسها في أنعكاس لملامحها وتهبط أنظارها ترى جسدها وتتحسس بيدها مفاتنها ثم وضعت أطرافها على شفتيها تتذكر ملمس شفتيه والقُبلة التي أحيت مشاعرها كأنثى، أنسلت دمعة هاربة، نفضت عن رأسها الأفكار العالقة بها، لتجده خلفها يقتحم غرفتها ويوصدها خلفه بالمفتاح لكي لا يراهم الصغار، ثم دنا منها.

فتحت عينيها بدهشة، وقف أمامها ووضع يديه تحاوط كتفيها ويهمس بكلمات من الحب والعشق الممنوع بينهما، امطرها بوابل من الغزل وعندما وجدها مغمضة العينين، جذبها لصدره وانهال عليها بقُبلات متفرقة، دغدغت أوصالها وسارت قشعريرة ساحرة بجسدها بسبب لمساته التي تعزف برقة على تفاصيل جسدها وغابت معه في لحظات خاصة، علاقة مُحرمة دقت ناقوس الخطر ولكنهما مسلوبين الإرادة، سابحين فقط في مُتعتهم الزائفة وملاذهم المُحرم...

❈-❈-❈


أتت قوة من الشرطة أثر البلاغ الذي تلقفه الضابط المسئول ودوت سنيرة سيارة الشرطة تخترق جوف الليل في المنطقة بأكملها ودب الرُعب في قلوب سُكانها إلى أن أستقرت أمام البناية وترجل ضابط الشرطة ومجموعة من العساكر تركض خلفه، أشهر الضابط سلاحه وصعد إلى الشقة يطرق بابها بقوة، فتح له "رحيم" بوجه مكفهر وأشار إليه حينئذ على باب الغرفة

اقتحمت قوة الشرطة في تلك اللحظة التي كانت تحاول "أماني" أرتداء ملابسها وستر جسدها العاري.

صرخت متوسلة ولكن لم يعد يجدي الصراخ، خرج الصغار على صوت الجلبة داخل الشقة، واقفين ثلاثتهم غير مُدركين بما يحدث أمامهم ولما والدتهم تصرخ وتبكي وتتوسل ووالدهم واقفًا بجمود ورجال يرتدون زي عسكري يمسكون بعمهم الذي يحاول الافلات والتملص منهم، ألتقت اعينها بأعين زوجها المُشتعلة بحمم بركانية وقالت بصوت فاتر :

-لن ينتهي الأمر بعد، سأجعلك تندم على هذا التصرف. 

-الندم سيكون حليفك، لن تنعمي بلحظة سعادة بعد الآن، ستذوقين الويلات يا أماني، سوف تتعفني داخل السجن، ستدفعين ثمن خيانتك غاليًا يا زوجتي الخائنة.

ترك الأبناء عند أحدى الجيران ليذهب هو الآخر مع الشرطة ويتهمها بمحضر رسمي بأرتكاب جريمة "الزنا" وأمسك بها في أحضان عشيقها في منزل الزوجية وعلى فراشهم ولديه شهود على تردد شقيقه الدائم لها بعد منتصف الليل وسوف يتم تفريغ كاميرات البناية لاثبات الواقعة...

❈-❈-❈

عاد مُنفطر القلب، متخبط المشاعر، مكفهر الوجه، يحدث نفسه كالمجنون الذي فقد عقله، يبكي بحرقة وهو يسأل نفسه ما الذي دفع زوجته لخيانته؟ ولما شقيقه يغدر به هكذا؟ نفرت عروقه من قيظ غضبه ثار مثل الأسد زئير متواصل يحرق حنجرته وظل ينهال على رأسه بالضربات المُتتالية لعله يفيق من هذا الكابوس، ويجد حياته كما تركها، الحياة الهنيئة، المُستقرة، يُريد أن يصحوا. 

تذكر لمحات من ماضيه؛ عندما توفي والده قبل عشرون عامًا، كان في مرحلة عمرية لم يقدر على تحمله مسئولية والدته واشقائه الثلاثة، فتاتين وصبي صغير ذا عشرة أعوام، تخلى عن طموحه في إكمال دراسته وبدء البحث عن عمل من أجل جني المال الذي يساعده في تربية أشقائه وتعليمهم وزواج الفتيات، انخرط في عمله ونسى نفسه تمامًا، دائما هو المُضحي من أجل عائلته ولم يفكر بالزواج إلا بعدما تم زواج شقيقتيه وتأمين مُستقبل الأخ الأصغر وبعد ذلك تعرف على "أماني" زوجته التي أحبها حُبًا جمًا ووجد بها ضالته ومستقره بعد سنين العجاف الذي عاناها من قبل ولكن أراد أن يسعى لتوفير الراحة لزوجته وأطفاله لكي لا يعيشون الحرمان الذي حُرم منه، ما ذنب أطفاله الآن بعدما أصبحت سيرتهم على كل لسان ينهش في عرضهما، ماذا عليه أن يفعل الآن؟ 

عاجزًا عن إيجاد حلا لهذه الكارثة التي أوقعتهم بها زوجته و شقيقه أيضا هل يستحق منه تلك الطعنة القاسية التي أصابته في مقتل؟  طعنة غادرة بسهام الخيانة، من وثق به وعامله طوال عمره كطفله الصغير الذي دائما يغدقه بعطفه وحنانه، نهض واقفًا قرر الحديث مع شقيقه لكي يخمد النيران المشتعلة داخله. 

❈-❈-❈


"شريف"


اختلج قلبي عندما وجدت نفسي داخل زنزانة صعيزة تعج ببعض من الرجال والشباب الكساله المتسولين وبعض قُطاع الطرق، خليط بين كل الجرائم، وها أنا أصبح مصيري مثلهم  داخل هذا المكان المتعفن بين أربع جدران رائحته كريهة من أثر العرق الذي يتصبب من جميعهم ويختلط برائحة أنفاسهم المُقذذة، رائحة اصابتني بالاشمئزاز فلا يوجد منفس واحدًا لكي اعبئ رئتي من هواء نقيًا ينعش رئتي التي كادت أن تُصاب بالتصلب وكدت أن افقد وعي بسبب هذا الحيز الضيق الذي أجلس به، لا يوجد داخل الزنزانة شعاع ينير ها إلا ذاك المربع صغير القابع أعلى باب المحبس يطل منه العسكري بين فنية وأخرى يرمقنا بنظرات حانقه ثم يصيح علينا من أجل الضوضاء التي تصدر من بعض المساجين، انزويت على نفسي بركن ضيق يكاد يتسعني وتوالت عليَّ الأفكار و التساؤلات ماذا فعلت بنفسي؟


انتفض جسدي  بلسعة قوية كأن تيارًا كهربائيًا سرى في كل خلاياه؛ ضاربًا جسدي بقسوة، اتساءل  بصدمة وكأنني فقت من غفلتي فجأة، ماذا فعلت بأخي؟

أين كان عقلي حينما أقترفت ذلك الذنب وخونت ثقة أخي وتوددت إلى  زوجته في غيابه وهو الذي أاتمنني على زوجته وأطفاله في غربته ؟


كاد رأسي أن يجن جنونًا ووضعت كفي وانا أنظر لموضع قدمي بإنكسار؛ كيف تم ذلك لا أعلم؟ 

هل ما حدث بيننا عشقًا حقَا أم أنسقنا وراء شهوتنا وغرائزنا ونسينا أن مهمًا طالت الايام أو قصرت سيأتي يومًا و ينفضح أمرنًا؟ 

أعلم كم أنا مُخطئ في حق شقيقي ومهما حدث لم استطع التكفير عن ذنبي، أنا المُذنب الأول، أنا الشرارة التي اوقدت النيران في الهشيم، أنا أستحق كل ما سيحدث لي بعد ما فعلته بحق أخي؛ أخي الذي تحمل من أجلنا الكثير، وأنا لا زالت الاهوج الطائش الذي يرتكب الجُرم وينتظر تدخل شقيقي لحل كل ما أقترفته من أخطاء، منذ أن كُنت في الجامعة وأنا اقحمه في كل مشكلة اواجهها واتسبب بها، حتى اتذكر يومًا كان سيتم فصلي من الجامعة بسبب شجار قام بيني وبين أحد الطلاب وتدخل أخي وظل يعتذر عن ما بدر مني من أفعال حمقاء لكي لا يضيع مُستقبلي ومر الأمر، كما أتذكر لحظة اقتحامه لغرفتي وهو منفعل بسبب ما علمه من صديق لي انني أتعاطى المخدرات بكافة أنواعها، كنت أخاف ان ينهال عليَّ بالضرب والتعنيف ولكنه جذبني إلى أحضانه وهو يبكي بحرقة يخاف خسارتي وضياعي واقسم على أن يظل جانبي واصطحبني إلى مشفى لمعالجة الإدمان قضيت ستة أشهر وهو يتردد بالزيارات ولن يُقصر يومًا بحقي، كنت طفله المدلل ويريد أن يراني مهندسًا ناجحًا كما تمنى، فقد ضحى بتعليمه من أجلنا، كان يحلم بأن يكون مهندسًا ولم يستطع تحقيق ذلك الحلم وتوسم بأنِ سوف أحقق له ذلك ولكني خبت أماله والتحقت بكلية التجارة واضعت حلمه وحلمي معه، ورغم كل محاولاتي الفاشلة فهو ظل داعم لي في مشوار حياتي، لم يقسو عليَّ، كان الأخ والوالد والسند، كان يُلملم جراحي دائما ولم أشعر يومًا بفقدان أبي لانه كان حقَا أبي، أنا ماذا فعلت به، لقد دمرت حياته بسببي، بسبب طيشي ونزواتي. 


انسابت دموعه بمرارة وقال بصوت مُنكسر حزين :

-أخي لا يستحق مني ذلك، يا ليتني مُت قبل هذا اليوم


❈-❈-❈


ترك أطفاله عند أحد الجيران ولم يهدأ له باله ظل طوال الليل ساهرًا شاردًا في مصير حياته بعد تلك الخيانة التي أقسمت ظهره إلى شطرين، مزقت روحه وبعثرتها بين أخ خائن وزوجة خائنة. 

عند بزوغ الصباح، قادته قدميه إلى مركز شرطة المعادي وبعد أن تحدث مع الضابط بأنه يُريد مقابلة شقيقه، اشفق الضابط على حالته وفضل أن يلتقي بشقيقه داخل مكتبه. 


جلس بمكتب ضابط التحقيقات يتصبب عرقًا ويهز قدميه في توتر، مصوب أنظاره على الباب ينتظر لحظة قدوم شقيقه على أحر من الجمر.

لم تمر سوى بعض لحظات وطل عليه شقيقه برفقة العسكري القابض على ساعده، تلاقت الأنظار في صمت قاتل أبلغ من الحديث، نظرات يقشعر لها الأبدان، عيناه تجوب على صفيحة وجه شقيقه العابث، أشعس الشعر وثياب غير مُهندمة، طالعه شريف بندم وركض إليه يجلس عند قدماي "رحيم" ويجذب كفه يُقبلها وهو يردد بخضوع وإنكسار:

- سامحني يا أخي... ارجوك أغفر لي خطئ هذه المرة

صرخ بأنفعال وهو يجذب كفه من بين راحته قائلا:

- هيا انهض وتطلع بعيني وأخبرني لماذا خونتني يا شقيقي؟ لما الطعنة تأتي منك أنت؟ 

كُنت أتتوق لرويتك عريس يُزف إلى عروسته لا إلى السجن يا أخي، لما فعلت بنا هكذا لما؟ 

هطلت الدموع بغزارة وقال بصوت نادم :

- وسوس لي الشيطان ولم أدرك ما فعلته


اخرصه بصفعة قوية مدوية وتطاير الشرر من مقلتية التي تحولت إلى نظرات حادة، غاضبة، متوهجة مثل النيران المشتعلة وظل يسدد له عدة لكمات متتالية، ينفث عن غضبه الجامح، تدخل العسكري وحال بينهما 

ونجح في الفصل بينهما، صرخ "شريف" متوسلا أن يسامحه ويفعل مثلما كان يفعل معه دائما

ولكن "رحيم" على صوت صياحه المكلوم وقال بقلب منفطر:

- لم تتحمل يومًا مسئولية تصرفاتك وافعالك الهوجاء، دائما تقحم نفسك بالمشاكل وأنا المُنقذ الذي يُخلصك من كل شيء، الآن آن آوان دفع ثمن أخطاءك وعليك تحمل المسئولية الكاملة على تلك الفعلة الدنيئة، من حُسن الحظ أن والدتك رحمها الله وإلا كانت توفت أثر فعلتك الوضعية هذا، لم أصدق الابن الذي كبر على يدي هو أول من يطعنني ويغرز سكينة داخل صدري، يا أسفي على ما فات، يا أسفي على ما توصلت إليه، عليك أن تُسدد ضريبة كل ما أقترفته من مصائب وحدك، تحمل نتيجة خيانتك لي، اليوم دفنت شقيقي ولم يعد لي أخوة ولن أسامحك، أطلب العفو والغفران من الله سبحانه وتعالى ليس منِ

نظر له بعيون دامعة وقال وهو يغادر الغرفة برفقة العسكري :

- أنت أيضًا مُذنب، تركت الباب مؤاربًا لزوجتك، حرمتها من أبسط حقوقها ومُتعها في الحياة، حاسب نفسك قبل أن تسقط كل التهم عليَّ لكي يرتاح ضميرك، ضميرك سيظل مُعذب لأنك مُخطئ مثلنا تمامًا ولكنك تعيش دور الضحية وتفضل أن تظل ضحية هكذا أنت يا رحيم، أنظر إلى مرآتك مرة أخيرة وستجد حقيقتك دون خداع أو تزيف.


❈-❈-❈

"تختلف رؤية الحقيقة من شخص لآخر، فالبعض يجد نفسه صاحب فضيلة ولم يقترف خطأ، والبعض يرى نفسه مُذنب يظل يلوم نفسه والبعض الآخر يعيش دور الضحية دائما ويتقنه تمامًا"

هل جميعهم ضحية أم يوجد جاني حقيقي؟ من المتسبب في أضرام النيران لتحترق أسرة بأكملها؟

من الجاني؟.. من المنقذ؟ ..من الضحية؟


❈-❈-❈

" رحيم"

ظل يتردد على مسامعي صوت شقيقي وهو يلقي اللوم عليَّ، يخبرني بأنِ الطرف الأول في هذه الخيانة؛ أنا الزوح المُسافر طوال الوقت وزوجتي لا زالت فتاة شابة في ريعان شبابها بجمال فاتن وقوام ساحر تُجذب لها العيون، "أماني" فتاة جميلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تتميز بوجه نضر مستدير كأستدارة القمر في ليلة أربعة عشر، وجسد غض ممشوق رغم أنجابها لثلاثة أبناء لا زالت مُحتفظة بجمال جسدها، بعيون بندقيتين واسعتين ساحرتين وانف مستقيم وشفتي مُمتلئة مثل حبات الكريز، وجنتي ورديتين عندما تبتسم تظهر غمازتها الخلابة، وخصلات شعرها الكستنائي تنسدل بنعومة على ظهرها لتصل إلى أخره، متوسطة الطول، ومع جمالها هذا فهي ذات شخصية هادئة، طيبة، حنونة، لم تشتكي شيء متحاملة لابعد الحدود، تحملت معي الكثير من الأمور، تزوجنا عن حب ولذلك لم أصدق أنها الفتاة نفسها هي التي خانتني بهذه الفعلة، أكاد أجن، مصدوم صدمة عمري، لم تكن فتاة مُتحررة لكي يصدر عنها أمر الخيانة، لم تشتكي يومًا عدم الارتياح أو أنها ليست سعيدة بحياتها معي، لو كانت قالتها لسرحتها بإحسان لكنها لم تنطقها يومًا، كُنت أحسد نفسي على زوجة مثلها تصونني في غيابي وتُربي أطفالي وتتحمل مسئولية ثلاثة أبناء على عاتقها دون تذمر أو سأم، أعلم بأن الغربة سرقتني من زوجتي وأولادي ولكن هذا حال الدنيا، أردت أن اغدقهم بالمال والحياة المرفهة السعيدة، كنت ألبي لهما جميع ما يتمنوه، أعمل واجهد نفسي بالعمل من أجلهم، حرمتهم من وجودي معهم ولكن كنت اجني لهم الراحة بالمال الوفير، كلما طلب ابني شيئًا يجده في الحال، أخطئت وأدركت أنهم كانوا بحاجة لوجود أبًا أكثر من حاجتهم بالمال الوفير، المال ليس كل شيء، ولكن لحظات الرضا والسعادة بين عائلتك هم حقًا من أهم أسباب السعادة، وجودي وسط أولادي يكبرون يومًا بعد يومًا، أغدق عليهم من محبتي، أحتويهم وأساندهم واشاطرهم جميع لحظات حياتهم من غضب ونقم، سعادة وفرح، تعب وحزن، نتشارك كافة التفاصيل، حرمت نفسي من كل هذا وركضت وراء جني المال، ظننت أن المال سيوفر لهما كافة سُبل الحياة السعيدة، حرمت أولادي من توثيق لحظات نجاحهم معي، تركت لزوجتي كل أمور الأطفال ولم أشاركها ذلك ولم اهتم إلا بارسال الأموال لكي تكون جميع أمورهم بخير، نسيت أن أشاركهم يومهم بكافة تفاصيله المحزنة منه قبل المفرحة، أضمهم بين ذراعي ليشعرون بوجودي دائما جانبهم، نتشاجر ونتصالح، نفرح ونمرح ونلهو معًا.


كان منكبًا على وجهه وكاد أن يصطدم بفتاة كانت تدلف لداخل القسم، تسمر فجأة ونظر لها معتذرًا

تبسمت له الفتاة بود وقالت:

-لا عليك

تطلع لها "رحيم" باهتمام عندما رأها تحمل حقيبة سوداء اللون وتمسك ببعض الملفات، فهتف قائلا بتساءل:

- حضرتك محامية؟

أومت له بخفة وقالت بثقة:

- أجل أنا المحامية "جبران صالح" هل استطيع مُساعدتك؟

هز رأسه بايماءة بسيطة وهمس بتوتر:

-أريد الحديث معكِ بأمر هام للغاية

عادت تنظر له قائلة:

- حسنًا انتظرني ريثما انهي عملي بالداخل، لن أتأخر

ولجت "جبران" لداخل القسم لتنهي الأعمال التي أتت من أجلها وظل "رحيم" واقفًا مكانه ينتظر خروجها، يود الحديث معها عن أمر القضية التي رفعها وما مصير زوجته وشقيقه، فهو لا يعلم بمحامين وتلك الفتاة وجدها فرصة لكي ترفق به وتنقل له كل ما يدور بخلده، هي فتاة وسوف تكون منصفة في حديثها وصادقة معه وسيرى أن كانت ستتعاطف مع زوجته أم لا فهي فتاة مثلها وسوف تشعر بمشاعر الأنثى.


أنهت "جبران" عملها سريعًا وعندما غادرت القسم وجدته لا زال ينتظرها، تقدم منها "رحيم" بخطوات متلهفة، فاعطته "جبران" الكارت الخاص بها وعنوان المكتب ثم قالت له بهدوء :

- سأذهب إلى المحكمة الآن وسوف أنهى عملي في الساعة الواحدة مساءً، سانتظرك بالمكتب، سوف نتحدث بأريحية وهذا العنوان

التقط منها الكارت وشكرها واخبرها عن أسمه ثم رحل ومضى في طريقه واكملت "جبران" طريقها إلى عملها داخل المحكمة فهي لديها مرافعة خاص بأحدى القضايا الخاصة بـ موكلها.. 



❈-❈-❈

"أماني"

أتخذت رُكنا داخل الزنزانة الضيقة والعيون تتربص لي، جميعهن فتيات صغيرات يرتدون ملابس ملاصقة لاجسادهن ويضعون مساحيق التجميل بافراط، يعلكون العلكة بين شفاتيهن في تقزز، نفرت من حراكتهن المُبتذلة وسارت رعشة في جسدي وأنا أُحاسب نفسي، عما افرق عن الفتيات تلك، هن يبتعون أجسادهن لمن يغدق عليهن بالمال وأنا ماذا فعلت؟ فعلت مثلهن ووهبت جسدي لشخص أخر، شقيق زوجي المصون أستحل قدسية جسدي وأنا الخائنة التي ركضت وراء الخطيئة بسبب ضعفي، أعترف بأنها كانت لحظة ضعف، فقد تتوق جسدي للمسات حانية، ولحظات دافئة، لماذا لا يُسامحني على شيء حدث دون إرادتي كانثى، حقًا أخطأت ولكن لا يكون مصيري مثل هؤلاء العاهرات، نحن بشر نصيب ونخطئ لسنًا ملائكة؛ وهو يجب عليه أن يُسامح من أجل أبنائنا ما ذنبهم بفعلتي الهوجاء؟ لم أدرك أن مشاعري ستقودني إلى الهلاك؛ رحمتك بي يا الله...


٠٠❈-❈-❈

داخل مكتب المحامية "جبران صالح"

جلس "رحيم" في أنتطارها وقدميه لا تكف عن الأهتزاز، إلى أن أذنت له جبران بالولوج داخل مكتبها، نهض عن مقعده وسار في خطوات متئدة خلف السكرتيرة، أستقبلته "غفران" بترحاب وطلبت منه الجلوس والتريس قبل أن يحدثها عن الأمر الذي جاء من أجله، أخبرت السكرتيرتة بإعداد مشروب الليمون لكي يُهدا من توتره فقد علمت بمدا تخبطه من عيناه التي يحاول أبعادها والتطلع في الأرض في أسى وحزن، فهي درست لغة الجسد وتعلم ما يحاكيه الجسد قبل أن ينطق به الشفاه.

بعد فنية رفع "رحيم" أنظاره وتطلع لها قائلا بصوت واهن:

- ما هي عقوبة الزنا؟

زفرت "جبران" أنفاسها بهدوء وعلمت لما كل هذا التردد الذي اختلج وجهه وهو يحاول الجهاد في التحدث بثبات وصمود، يبدو عليه شدة الموقف المُحرج، بترت كلماتها بتأني :

- قانون العقوبات على الزوجة الزانية التي  تعاقب بجريمة الزنا سواء تم هذا الفعل بداخل مسكن الزوجية أو خارج مسكن الزوجية، هو الحبس لمدة عامين وذلك يتم أذا تم أثبات الواقعة بالفعل.

- شاهدتها أمام عيني وعلى فراشي، وابلغت الشرطة وهي الآن داخل السجن هي وعشيقها 

- هو أيضا يتم تنفيذ نفس الحكم عليه بالسجن لمدة عامين

ثم اردفت بتساءل:

- هل لديك أبناء؟

هز رأسه في حزن :

-ثلاثة؛ صبي و فتاتين لا زالوا مثل الورود المغمضة.

شعرت بالأسى على حاله وحال الأبناء الصغار وهتفت له بأن يبوح لها بكل ما يخفيه عنها وهي سوف تجلب له حقه.

عاد يهمس بصوت خافت خالي من الحياة كأنها شبح داخل عالم الأرواح وياتي صوته كأنه بالعالم الآخر قائلا:

-تركت زوجتي وثلاثة أطفال وسافرت لجني المال، لم يكن الأمر عليَّ هين؛ ولكن أردت لهم حياة كريمة، مُنعمة بكل متطلبات الحياة. 

الغربة كانت مقبرة لدموعي التي لم تجف ولم أجد لها مأوى؛ كاد الحزن يقتلني وأنا أمضي في طريق العمل وجمع المال وحرمت نفسي من كل متع الحياة من أجل أطفالي، لم أجد فرحًا ولم أشعر به وأنا بعيدًا عن عناق صغاري وحضن زوجتي الدافئ الذي طالما تمنيت أن تحتويني وتهون عليَّ غربتي ومعاناتي، كنت أكتم وجعي داخلي لكي لا أعكر صفو حياتهم دوني، أشتقت كثيرًا لرؤية وجوههم ضاحكة مستبشرة بعد غياب أعوام من الفقد والحرمان، فقدت قدرتي على الكلام والحديث يوم فقدت صوت أبي وتحملت أنذاك كل متاعب الحياة على عاتقي وكنت شابًا صغيرًا لم يدرك الحياة بعد، ورغم كل ذلك تحمالت من أجل عائلتي وعشت بلا وطن ولا مكان وأنا أسعى فقط من أجل راحتهم، هل هذه هي مكافأة نهاية غربتي_الخيانة _ إلا تخجل من  التطلع ليَّ واسقاط اللوم عليَّ وأنا ضحيت من أجلها بالكثير، فقدت صحتي وشبابي وأنا احارب في غربتي وحدي فقط، أيكون هذا نتيجة كدي وتعبي؟ لا أجد شيئًا أخر أبوح لكِ به،  ولا أعلم كيف اتصرف في هذه القضية؟ 

وانا  والد وأخشى على سمعة بناتي، أنا في حيرة، أشعر بالتيه والضياع وأطلب منكِ المساعدة. 

- سوف أطلع على أوراق القضية وأخبرك بكل ما هو جديد، وستكون الأطفال في حضانتك حتى واذا تنازلت عن القضية من أجل سمعتهم، فكر بالأمر وأنا معك قلبًا وقالبًا...

❈-❈-❈


شهقت جبران بصدمة عندما علمت بأن  الزوجة تخون زوجها مع شقيقه، انتابها حالة من الذهول ولكن هذا ما وصل إليه زمننًا هذا يقتل الأخ أخاه، ويخون الأخ أخاه أيضَا، نجد أبشع الجرائم من هذا المسمى كما الشباب اللذين يقتلون الفتيات من أجل الحب، فإذا رفضته الفتاة ينهال عليها بالطعن دون شفقة أو رحمة، يتوهمون بأن ذلك حُبًا، هذه من عجائب الدنيا السبع، أصبحنا في زمن عَجب العُجاب..



❈-❈-❈

"محكمة" 

نطق بها الحاجب 

قاعة كبيرة تعج بالناس، جمعيهم مختلفون ،قادمون من كل حدب، تختلف نوايهم وحاجتهم، منهم من ينتظر بشغف ان ينال المُجرم عقابه ،جميعهم لديهم قضية يتتوقون للقصاص ،منهم من أتَ بحثًا عن العدالة يتمنون العقاب الرادع لمن أذاهم .


خلف القبضان وقف المتهمون بقلوب مرتجفة خائفة ينتظرون صدور الحكم أما البراءة أو الاعدام أو احكام مخففة ،نظرات تتوسل عدالة المحكمة، منها نظرات خالية من أي مشاعر ومنها نظرات ضعف وأنكسار واخرين نظرات خجل وأسى.

وقفت اماني بثيابها البيضاء وغطت راسها بحجاب ابيض،تقبض بيد مرتجفة على السياج الحديدي تدور بؤبؤة عينيها بالمكان كانها تكتشفه ، تلاقت أعينها بعينين حزينتين لم يصدق أن تلك الحدقتين البريئتين ترتكب هذا الجرم ،اشاح انظاره مبتعدًا عنها ، زاد اضطرابها وصوت نبضات قلبها التي تقرع كالطبول داخل صدرها ،رجفة ورهبة اجتاحت جسدها، لم تعد قادرة على الثبات والصمود ،قدميها تهتز كالزلزال خوفًا من مصيرها القادم ، جالت بعينيها تتفقد القاضي الذي جلس ينتصف المستشارين ويتحدث بصوت رخيم وهو يدق الجاكوش الخشبي امامه على الطاولة المستطيلة عدة طرقات لبدء المحاكمة.

- القضية رقم ٣٠٠٣ 

وضع النضارة الطبيبة وظل يفحص ملف القضية التي أمامه ويستمع للمحامي وشهود الاثبات فقد كانت قضية خاصه بالغارمات ، وبعد أن انتهت مرافعة المحامي أجل القاضي النطق بالحكم لاخر الجلسة ، وأمسك بملف أخر 

مناديا بصوت غليظ تلك المرة:

-المتهم شريف حمدي السيد 

هتف شريف من خلف القضبان بصوت مهتز:

-موجود يا سيادة القاضي

عاد يهتف على مسامع الحضور :

-المتهمة أماني عبدالحميد 

خرج صوتها خافت خالي من الحياة :

- موجودة يا سيادة القاضي

بدء التهامس داخل القاعة ونظرات غاضبة يرمقون بها المتهمين، وبدأت النيابة في مرافعتها 

وقف بشموخ وكيل النائب العام يهتف بصوت مجلجل ،اهتزت قاعة المحكمة اثر ذلك الصوت وصمت الجميع ،يستمعون له بانصات مشدودين بما يقوله.

بسم الله الحق، بسم الله العدل، بسم الله الرحمن الرحيم..

جئناكم اليوم بواقعة مؤلمة وقاسية، لقد جرت أحداثها على مسمع ومرئ من الزوج المكلوم الذي رأ زوجته في فراش الزوجية مع من؟

مع شقيقه الذي طعنة بخنجر مسموم، مطعون بالغدر والخيانة

الزوج مكلوم ممزق القلب، مفطور  رأ أمام اعينه الخسة والندالة من الذي رباه وعاش تحت وطاءه، سولت للأخ نفسه الامارة بالسوء ليسدد ضربات السهام الغادرة على فؤاد شقيقه الذي يعامله مثابة الابن وعم الصمت والاحداث تختصر في مشهد لم يتحمله بشرًا، بأيد مكبلة وعيون الحسرة تذرف الدمع على شقيق خان وزوجة زانية، صدمة الزوج على فعلتهم التي تشمئز منها النفوس ويهتز لها عرش الرحمن، فهي من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله، قضية تقشعر لها الأبدان ونحن أمام هيئة المحكمة الموقرة  في تلك الواقعة، نرجوا من عدالة المحكمة توقيع أقصى العقوبة على الزوجة الزانية التي استباحت شرفها وعرض زوجها التي دنسته في الأرض والأخ الذي فعل ذلك بشقيقه الأكبر الذي غدر به وجعل قلبه يقطر دما على ما راءه وما فعله في مسكن الزوجية، الزوج مفطور القلب مدمع العيين غير مُدرك إلى وقتنا هذا بأن الجاني الحقيقي هو شقيقه، صغيره، لبنة عمره ومستقبله الذي تمنى له مستقبلا افضل مما عاشه، هكذا يفعل الأخ بأخيه، فعلا من أفعال الشياطين والابالسة، هل يستحق الزوج الغائب ما يفعله العشيقان، تغرب الزوج عن زوجته واطفاله من أجل جني المال ليأمن لهم معشية هنية، لم تصون شرفها بل دنسته وغمرتها شهوتها الوقوع في جريمة الزنا، الزوج يكافح في غربته والزوجة تدنس شرفه وسمعته التي أصبحت على ألسنة الجيران مما جعلهم يشمئزون من فعلتهم الدنية فتطوع واحدًا من جيرانه الذي رفض البغي وقرر أن يخبر الزوج المسافر لكي ينتبه الزوج لما تفعله الزوجة في غيابه ولم يصدق الزوج إلا ما رأه أمام عينيه وإلى هُنا سيدي الرئيس أطالب بتوقيع عقوبة مشددة على الخائنين الغادرين بالزوج المكلوم المصدوم مما فعله الشقيق والزوجة التي كان يظن بها بأنها الزوجة الصالحة التي تصون عرضه وشرفه، تستحق هذه الخائنة الغادرة العقوبة المشددة فيكفي حصار الزوج النفسي العنيف، فهو لم يتعدا تلك المرحلة بعد ولم يدرك الخيانة حتى الآن.

ارجو النظر إلى الضحية وما مصيره بعد ما جرا وما مصير أطفاله الذين لا ذنب لهم بما تفعله تلك السيدة التي تجردة من مشاعر الأمومة، فهي جرت وراء شهوتها ونست خلفها أطفالها الصغار  اللذين البستهم ثوب الخزي والعار، الذي سيظل يلاحقهم موصمين به، فما ذنب الصغار بأفعال الكبار ؟

ساد الصمت داخل القاعة، فطرق القاضي عدد طرقات متتالية وهو يهتف قائلا :

- الدفاع يتفضل.

تقدمت "جبران "من هيئة المحكمة وقفت بثبات ثم بدأت في مرافعتها قائلة:

بسم الله الرحمن الرحيم 

"يا أيها الذين أمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمانتكم وأنتم تعلمون"

وقال تعالى "وإن  يريدوا خيانتكم فقد خانوا الله من قبل"

نحن اليوم نقف أمام قضية ليست غريبة من نوعها بل نمر بالأف القضايا من الخيانة الزوجية ولكن حدث اليوم جللً ، فعل وضيع صدر عن الاخ ، فعلة خجلة من أن انطقها فالاخ يخون أخاه، اصبحنا في غابة من الوحوش يستباح للاخ قتل أخاه وطعنه بلا رحمة في رجولته ، نحر كرامته وعزته وجعل شقيقه يطأطأ رأسه على خيانتهم المُعلنة أمام الجميع ، فلقد راءهم امام عينيه ،عينيه التي تمنت رؤية لهفة الزوجة للقاءه ولكن خاب أماله وانكسر خاطره وهو يرا شقيقه الذي نشبا على يده بلقاء حميمي مع زوجته على فراشه ، باي ذنب تلتقفه أحضان الخيانة و الجُرم بدلا من أحضان المحبة والاشتياق ،لقد تجرع مرارة الخيانة مرتان ،مرة من رفيقة عمره والاخرى من شقيقه سنده وعونه في الحياة ، فقد ملاذ حياته في آن واحد ، خسر كل شيء على يد أحب الناس إلى قلبه المنشطر ، لن أزايد على مرافعة النيابة واضم صوتي لصوتها بتوقيع أقصى العقوبة التي يستحقينها هذان العشيقان.

ساد الصمت داخل القاعة ،العيون تتلصص لهيئة القضاء ، انفاس لاهثة تترقب الحُكم الصادر ، ابدان ترتجف خفية من مصيرها القادم ، الأن مصيرهم بين شفتي القاضي .

طرق القاضي بالمطرقة ثلاث طرقات متتالية ثم قال:

- بعد سماع الشهود ومرافعة النيابة والدفاع واطمئنت هيئة المحكمة

صمت قليلا وصوب أنظاره على المتهمين قائلا :

- لو كان الامر بيدي لاصدرت حكم رادع على خيانتكم لهذا الرجُل، الذي خسر ماضيه وحاضره وفقد ثقته بكل من حوله بعدما فعلتم به ذلك ، ولكن أنا احكم بالاوراق والقانون، وتنص المادة 274 من قانون العقوبات (المرأه المتزوجة التى يثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين، ، وتنص المادة 275 عقوبات على انه (ويعاقب ايضا الزاني بتلك المرأه بنفس العقوبه)

إذ فقد حكمت المحكمة بمعاقبة كل من، شريف حمدي السيد وأماني عبدالحميد  بالحبس لمدة عامان  مع الشغل والنفاذ، رُفعت الجلسة...


★★★

استقرت بين يديها عجلة القيادة، لكن قلبها كان يقودها إلى أبعد من مجرد وجهة، إلى لقاء انتظرته أعوامًا، حضّرت له بكل شغف، راكمت الأمل بعودتها، رغم السنوات التي مضت.

اليوم، أنهت كل شيء خلفها، طوت صفحات العمل وانطلقت نحو قريتها وكأنها تعود إلى جزءٍ مفقود منها.  

كانت الموسيقى رفيقتها، تسري في أجواء السيارة كما كانت تسري في أيامها القديمة مع والدها الراحل، تعيد لها نغمة الحنين التي كانت تُغنيها له، تتماهى بصوتها مع كلمات "الست أم كلثوم"، كأن الأغنية هي بوصلتها، كأنها تأخذها إلى هناك دون أن تشعر بالمسافة التي تفصلها عن القرية.  

-أنساك! يا سلام… أنساك ده كلام…

أنساك يا سلام... أهو ده اللي مش ممكن أبدا.

غمغمت بها وهي تبتسم كما لو أن والدها يسمعها في مكانه البعيد، كما لو أن الزمن لم يكن سوى وهم يخدعها.  

كانت تتزاحم الذكريات داخل عقلها منذ وفاة والدها، مروراً بهروبها ليلا من بلدتها إلى أن أستقرت هُنا، عاشت حلم الطفولة وتمنت أن يأتي اليوم التي ستعود فيه إلى مسقط رأسها لكي تجلب حقها وحق والدها الراحل، لذلك سلكت طريق المحاماه وها هي اللحظة المنشودة التي انتظرتها كثيرًا..

ومع مرور الساعات، بدأت ملامح القرية تقترب، وشقّت الطريق الترابي بكل ثقة، الأشجار الخضراء على جانبيها بدت وكأنها تمد أذرعها ترحيبًا بها، النسيم حمل رائحة الأرض الرطبة، لفح وجهها برقة وكأنه يخبرها بأنها وصلت، تحررت خصلاتها الكاحلة وتطايرت خلفها بلا قيود، كأنها امتداد لهذه اللحظة، لحظة ستظل خالدة في ذاكرتها.  

كل شيء كان حيًا،الطبيعة تتكلم، تهمس لها بأنها لم تغادر، لم تنفصل، لم تهرب يومًا. صوت الإطارات على التراب، اهتزاز الأغصان، وضوء الشمس المتسلل بين الأوراق ليعكس بريقًا على الطريق، كلها كانت علامات،رسائل من الأرض نفسها تخبرها بأنها عادت إلى حيث تنتمي..

تمت بحمد الله


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية المال مقابل القلب

رواية عندما يعشق الرجال للكاتبه قسمة الشبيني المقدمه والفصل الأول

قصة زهرة الخريف فاطمه الألفي