قصة الوحش فاطمه الألفي
#الوحش
#قصة_قصيرة
#فاطمة_الالفي
كان الضباب يزحف على أطراف الغابة كما لو كان مخلوقًا حيًّا يستنشق سكون الليل. على أطراف قرية "الحراشيف"، كان الصمت أثقل من أن يُحتمل، لا يقطعه سوى نباح كلبٍ مسنّ يئن من شيء لا يراه البشر... ولكن"سراج" رآه.
استيقظ فجأة على صوت طرق خافت على نافذته الخشبية، طرقات ثلاث، متباعدة كأن الزمن نفسه يتردد قبل أن يُتمّها. فتح عينيه، متسمرًا في مكانه، ووجهه يتصبب عرقًا باردًا. هناك، في الحديقة الخلفية، تقف الظلال، مشوشة... لكنها مألوفة.
نهض بخطى مترددة. وعندما اقترب من النافذة، رأى ذلك الرمز... محفورًا على الزجاج من الخارج. دائرة يتوسطها شكل يشبه المخلب، وحولها أربعة أقمار متناهية الدقة، تكتمل واحدًا تلو الآخر.
تراجع ويداه ترتعشان. لقد رآه من قبل، في الكوابيس التي تطارده منذ أسابيع، وفي دُرج جدته المغلق بإحكام، وفي الصفحة الأخيرة من دفتر مذكرات والده المفقود.
من خارج النافذة، انطلق عواء طويل… عميق… وكأنه يناديه باسمه:
"سرااااج"
★★★
"سراج" شاب هادئ يعيش مع جدته بعد اختفاء والديه في ظروف غامضة قبل سنوات، تلاحقه كوابيس متكررة عن الغابة وصوت عواء مرعب يدعوه باسمه...
قصت عليه جدته، كيف بدأت اللعنة تطارد والده، حينها كان في عمر السابعة عشر عامًا، ومنذ ذاك اليوم وتبدلت حياتهما.
حيث كانت الغابة يومها تشتعل بلون الغروب؛ أشجار السنديان تلقي بظلال طويلة كأنها أصابع عملاقة تحاول انتزاع أسرار الأرض. "ياسين"، والد سراج كان في السابعة عشرة من عمره، يحمل قوسًا قديمًا من صنع جده، ويتبع أثر غزال أصيل عبر الممرات السرية التي لا يعرفها إلا الصيادون القدامى.
ولكن الغزال اختفى فجأة، كما لو أنه تبخّر في الهواء. وبدلًا من آثار حوافره، ظهرت على الطين الرطب آثار ضخمة... لشيء لا يعرفه البشر.
توقف ياسين وارتجف قلبه، حين رأى الرمز: مخلب محفور على صخرة، يتوهج بخفة، يقطر من أطرافه دم أحمر قانٍ. حاول التراجع، لكن الصوت جاءه من داخله، من أعماق لا يعرفها:
"أنت المختار... القمر القادم سيكون بوابتك"
في تلك اللحظة، تلبدت السماء بالسحب رغم أن الليل لم يحل بعد. وساد الغابة صمت مريب، ثم… عواء طويل اخترق حواسه. سقط ياسين على ركبتيه، يتلوى من ألم غريب في عظامه. ووسط الدوار والرؤى، لمح وجهًا في الضباب—يشبهه تمامًا، لكن عينيه كانتا زرقاوين تلمعان بجوعٍ وحزنٍ أبدي.
ومنذ تلك الليلة، لم يعد ياسين كما كان.
بكت الجدة وضمته إلى صدرها، فهي تخشى عليه أن يصيبه ما أصاب والده، ابتعد عنها مطمئنا إياها، أنه بخير وسيظل جانبها فلا داعي للخوف، ثم ابتعد عنها وقرر الاختلاء بنفسه داخل غرفة والديه، عندما وطات قدماه داخل الغرفة توهج ضوءها باللون الأزرق، رفع كفيه يتحسس جدرانها ، يمررها برفق، إلى أن شعر بملمس حديدي، وضع أذنيه يسترق السمع، حس كأنه يسمع أصوات ما، انتابه الفزع وعاد برأسه للخلف، ثم بعد لحظات ثبت كفيه يطرق ذاك الجدار الحديدي، ليتفاجئ به ينسحب ببطء وكأنها بوابة فُتح أمامه، خطى خطوات حذره داخل تلك الغرفة السرية، وجدها تحوي كتبًا وأدوات تعاويذ ومخطوطات بلغة قديمة.
أمسك بكتاب ضخم متناثر عليه زرات من التراب، ازاحها بكفه ، ثم فتح دفته الجلدية وجده خاص بعائلته والسلالة التي ينتمي إليها "الحُراس"، أناس وُلدوا بدم قادر على احتواء لعنة الوحش أو كسرها.
تنتشر أسطورة قديمة عن "الوحش الأزرق"—كائن نصف إنسان ونصف ذئب لا يظهر إلا في الليالي التي يكتمل فيها القمر مرتين في الشهر ذاته، وهي ظاهرة تُعرف بـ "القمر الأزرق". تقول الأسطورة إن هذا الوحش ليس سوى لعنة ورثتها عائلته، تنشط في كل جيل عند بلوغ أحد الأبناء سن السابعة عشرة.
عرف سراج من هو الوحش الذي ينوه عنه الكتاب،وايقن وقتها بأن الظلال التي تراوده في كوابيسه خاصة بلعنة الوحش وأنه المنتظر القادم .
قلب صفحات الكتاب وهو يتمعن النظر، عيناه تبحر بين السطور، ليعلم كل ما ود الكتاب أخباره به ، وعندما أنتهى من قراءة أخر صفحاته ، ارتجف جسده، وراء القمر يشارف على الاكتمال فعلم بموعده المُحدد، لانه أتم عامه السابع عشر.
ترك الغرفة السرية وأسرع خطواته ركضا إلى الغابة، وجد فتاة تلاحقه، فهي مكلفة بمراقبته، وحمايته أو قتله إذا خرج عن السيطرة.
هتفت بصوت اشج:
-لا تخف .. أنا "ذمرد" الحارسة .. من قبيلة ظل القمر .
سألها سراج بترقب:
-ولما أنتِ هُنا في قبيلتنا؟
تبسمت بلطف واجابته:
-لقد كُلفت بحراستك
رد غاضبا:
-حراستي أم الخلاص مني؟
قالت بهدوء مرتب:
-لم أتردد في فعلها إذا كنت سببًا في تهديد قبيلتنا وجب عليَّ حمايتها.
★★★
بدأ سراج بالتحوّل تدريجيًّا في الليالي المقمرة، وتتضارب مشاعره بين الخوف والغضب، وأكتشف أن اللعنة وُضعت لحماية بوابة خفية تؤدي إلى "الغابة الداخلية"، عالم تلتقي فيه أرواح الوحوش، وهو لم يحمل فقط لعنة والده… بل هو المفتاح الذي قد يفتح أو يغلق البوابة للأبد، وعليه مواجهة والده في هيئته الوحشية، دون أن يفقد إنسانيته.
خضع سراج إلى طقوس القمر الأزرق ، حيث تتجمع القرية وتصبح ساحة معركة بين البشر والمخلوقات الملعونة.
الضوء الأزرق انفجر في قلب الغابة ثم تلاشى ببطء، مخلفًا رمادًا يتطاير في الهواء، وهدوءًا غريبًا لم تعهده الأشجار من قبل، بينما خرج "سراج" من دائرة الطقوس، ويده تقبض على القلادة التي تركها والده وراءه. كانت دافئة بشكل غير طبيعي، ينبض قلبها كأنها كائن حيّ. لم يشعر بالراحة، بل بفراغٍ أكبر... شيء بداخله تحرّر، وشيء آخر استيقظ.
عندما عاد إلى كوخ جدته، وجد "زمرد" بانتظاره، وعيناها تلمعان بدموع لم تسقط. نظرت إليه طويلاً ثم قالت:
-ظننت أنك ستموت الليلة.
أجابها بصوتٍ خافت:
-ربما فعلت... أو على الأقل، الجزء الذي كان يخاف داخلي تحرر.
بدأ قلب زمرد ينبض بحبه وفي الليالي التالية، بدأت تظهر على جسد "سراج" علامات غريبة. وشم على كتفه يشبه رأس الذئب، لكنه ينبض ويتمدّد في كل ليلة اكتمال. بدأ يسمع الأصوات حتى أثناء النهار، الأصوات القادمة من "الغابة الداخلية"—العالم الملعون خلف البوابة التي لم تُغلق تمامًا.
حدثته "زمرد" عن نبوءة قديمة في قبيلتها:
-سيأتي حارس لا يُكمل الطريق ولا يُدمره، بل يقف على الحدّ بين العالمين. نحن ظننا أنه سيكون وحشًا... لم نكن نعلم أنه سيحمل قلبًا مثقوبًا.
فهم سراج أنه المقصود، وظل عقله في حيرة، لا يعلم ما المصير الذي ينتظره؟ وما هو الاختيار الذي سيُضع به ويكون وجب عليه الاختيار بين أمرين كلاهما أصعب من الاخر..
★★★
في آخر الليل، يتسلل "سراج" إلى حافة القرية، حيث تنهض شجرة كبيرة تُعرف بـ "لسان الريح". هناك، يرى فتاة صغيرة ترتجف تحت ظلالها، تُحدق فيه بعينين زرقاوين... تمامًا كعيني والده.
تهمس الطفلة دون أن تحرّك شفتيها:
-ليس وحدك مَن نجا من الطقوس.
في تلك اللحظة ينعكس على وجهه القمر الكامل، بينما صدى عواء جديد يصدر من وراء الجبال… هذه المرة لم يكن وحيدًا.
جلس بصمت، يراقب انعكاس القمر على البركة الصغيرة، والقلادة تتدلّى من يده. كان يشعر بثقلٍ داخلي لا يعرف مصدره. من خلفه، ظهرت "زمرد" بخطوات هادئة، ترتدي عباءة خفيفة من الحرير الأسود، وعيناها تعكسان مزيجًا من الحذر والشوق.
-في قبيلتي، لا نحب... نحن نراقب، نحمي، وننفذ النذر.
التفت إليها بتعبٍ ، وقال:
_"وأنا؟ هل كنتَ نذركِ؟ أم لحظة ضعف في تاريخ قبيلتك؟
اقتربت، وجلست بجانبه، ثم أخرجت من جيبها حجرًا صغيرًا يتوهج بنبضٍ خفيف:
-هذا الحجر حملته أمي قبل أن تُضحّي بنفسها لمنع فتح البوابة. علّقت عليه أمنية وحيدة؛ أن لا يحمل أحد قلبًا مثقوبًا مثلها... لكنني فشلت.
نظر إليها ، لأول مرة دون خوف ولا تساؤل، بل بحزنٍ يعرفه جيدًا:
-كنتُ أظن أنكِ تحمينني لأنك مأمورة... لكنني رأيتكِ في كل لحظة ضعف، في كل تردد، في كل نظرة ضائعة وسط الظلال، زمرد ، أنتِ أضعف مما تظنين، وأقوى مما تعترفين.
قالت بحب:
-وأنت أكثر إنسانية مما يليق بالحراس.
ثم دنت منه، ووضعت يدها على وشم الذئب على كتفه، وقالت:
-إذا فُتحت البوابة، سأضطر لقتلك... تعرف هذا، أليس كذلك؟
قال بابتسامة حزينة:
-وأنتِ تعرفين... أنني قد أموت لأجلك قبل أن تفعلي.
تركت يدها على كتفه قليلًا، ثم سحبتها ببطء، ونظرت إلى البركة حيث القمر يوشك على الغروب همست قائلا:
-حين يصبح القمر دمويًا... سأكون إلى جانبك، لا أمامك.
★★★
وسط ساحة الطقوس القديمة، توجد دائرة من الحجارة الرمادية الملطخة برموز حمراء متوهجة. الليل حالك، والقمر مكتمل، يشعّ بلونٍ يميل إلى الدم. الرياح تلفح الوجوه، والهواء ينهض كأنه يتنفس بقلق.
تقف زمرد داخل الدائرة، تحمل خنجر الطقوس ذي المقبض العظمي، وعيناها لا تفارقان "سراج" الذي دخل بهدوء، يرتدي عباءة والده ويحمل القلادة حول عنقه.
همس بصوت واهن وهو يسير جانبها:
-إذا أردتِ منعي، فافعليها الآن. قبل أن يبدأ كل شيء.
ردت بنبرة خافتة حزينة:
-لست هنا لأمنعك... بل لأتأكد أنك لست وهمًا صنعته لعنة سلالتك.
رفعت الخنجر ثم حددت ملامحه، قبل أن ترميه داخل الدائرة، ظهر وشم الذئب على كتف "سراج"، يتوهّج بعنف.
في هذه اللحظة، ما بين اكتمال القمر وانشقاقه، سأطرح عليك السؤال الأخير. إن أجبت بقلبٍ صادق، فأنا إلى جوارك... وإن كذبت، فسأقتلك دون ندم.
ابتسم سراج رغم التوتر:
-هذا يطمئنني كثيرًا، أن أُقتل على يد محبوبتي.
-هل اخترت هذا الطريق لأنك تريد الخلاص… أم لأنك لا تعرف من تكون بدونه؟
صمت "سراج". لحظة طويلة تمر، والهواء يتجمّد. ثم اقترب منها، وأخذ الخنجر بيده.
-اخترت هذا الطريق... لأني لا أريد أن أكون ظلّ رجل لعنه أبوه، ولا طيف حارس يترقب نهايته. اخترته... لأني لم أعد أخشى أن أكون ذاتي.
خفضت أنظارها، وهي تقول بهدوء:
-والآن، جزءٌ من الطقس يتطلب تضحية. لكنني كذبت عليك... التضحية ليست منك، بل مني.
فتحت يدها، وقطعت راحتها بالخنجر، ثم أطبقت على كف سراج، لتمتزج الدماء.
هتف بصدمة:
-ماذا تفعلين؟!
-أكسر النذر… وأختار مصيري. لأنني لم أعد مجرد حارسة، ولا مجرد لعنة... أنا أيضًا، إنسانة.
حينها انفجر الضوء، وانطلق شعاع من الدم المختلط إلى السماء، وبدأت الحجارة بالاهتزاز، البوابة الخفية تظهر وسط الدائرة، كدوامة من الظلال والأنين، يُسحب الاثنان داخل الضوء، وأصوات قديمة تتردد
"حين يختلط دماء الحارس بالمراقبة، ينشأ عهدٌ جديد... أو نبوءة أخرى لا نعلم متى تتحقق؟"
كان على سراج أن يختار: إنقاذ والده وكسر اللعنة، أو التضحية بنفسه لوقف امتداد الوحش إلى الأجيال القادمة.
تمت
#الوحش

تعليقات
إرسال تعليق