بيت زجاج فاطمه الألفي الفصل الاول
__بيت من زجاج __
بقلم : فاطمة الألفي
قلب ناعم، هش، شفاف، قابلا للكسر كأنه من زجاج؛ إذ تهشم فمن الصعب التئامه ثانيًا وعودته لصورته الأولى.
نُزع قلبها من بين ضلوعها وانفرطت الايام من بين يديها كعقد الكهرمان.
رسمت أحلامها الوردية، وسلكت طريقًا من الآمال، غدت إليه بخطوات مُتلهفة؛ وعلى حين غرة داهمتها العاصفة التي طاحت بها لأعلى قمم الجبال ثم هوت بها أرضًا أسيرة في قاع الأوهام.
خُيل لها بأنها وجدت ملاذها التي طالما حلمت به، لكنها ضلت الطريق واصبح واقعها وهم و سراب..
❈-❈-❈
انقشع النهار و عم السكون المنزل، ساد الظلام الارجاء، عتمة حالكة تلحفت بها جسدها الساكن، عينين جاحظتين، متسعتين تنظرين بشرود في الفراغ، توشح المنزل بالسواد، قلوب تأني وجعًا، تتألم فقدانًا للنور الذي كان يُضيء غسق حياتهم الكئيبة، انطفت الشمعة دون سابق أنذار، هبت ريح عاتية وجعلتها جثة هامدة، جسدًا بلا روح، لقد فارقتها الروح عن الحياة مع طفلها، صغيرها، وحيدها، ثمرة عمرها وشبابها، فرحتها المسلوبة من دياجير الزمن، الشعاع الذي كان يوقد روحها و يجعلها تتنفس بسعادة، أختفت كل معالم الحياة عن دنياها، انطفئ بريق عينيها المتوهج بلمعة حُب صغيرها، تلاشت ابتسامتها عن محياها في غرة خاطفة، ليل لا نهاية له، ظلام لا نور بعده، هكذا حالها بعد فراق صغيرها، لقد دفنته بيديها وتوارى جسده الهزيل التراب، لم تدفن صغيرها فقط، بل دفنت قلبها وروحها معه.
بكت بحرقة وهي تنظر ليديها الفراغتين وتهمس بصوت مكلوم :
-كيف هان صغيري لاتركه وحيدًا داخل قبره المُظلم، طفلي يخشى الظلام، لابد وأنه بحاجتي الآن جواره لاضمه لصدري وأهدهده وأطمئنه أننِ معه، جواره لن أتركه، لابد وأن أعود إليه.
نهضت مُسرعة بعدم اتزان، يداهمها دورًا يثقل رأسها، قوامته بقوة وهي تحاول النهوض والعودة إلى حيث ما تركت صغيرها، تريد العودة إلى المقابر، تلوم نفسها وتجلد ذاتها كيف طاوعتها نفسها بترك طفلها بالمقبرة وحده، كيف فعلتها وهو بحاجتها الآن، هكذا تردد داخل نفسها، صغيرها يصرخ مناديا إياها لكي تظل جانبه وهي وعدته إلا تتخلى عنه وستظل دائما وأبدا معه..
سارت بخطى متبعثرة، مثل الريشة تتقاذف بها الرياح، كادت أن تسقط وهي تعدو في خطوات هوجاء، تتسارع من أجل لقاء صغيرها، ظن منها بأنها ستراه أمامها، يتقدم هو بخطواته الراكضة ليتلحف ذراعيها، وجدت نفسها داخل المقابر المُظلمة، لم تعي لذلك الظلام، لم يرتجف جسدها خوفا بهذا المكان المُخيف ليلا، كل ما سعت لأجله هو اللقاء بفلذة كبدها الذي ينتظرها، جلست أمام قبره تتحسس بابه بأنامل مرتعشة والدموع تنساب بغزاره على صفيحة وجهها، شهقاتها تشق سكون الليل وعتمته، مالت بجسدها تضم قبره كأنها تضم جسد صغيرها النائم بهدوء وسكينة تحت الثرى، توارى وجهه التُراب، وترك والدته بقلب مُلتاع يشكي مرارة فقده، رحل الملاك الصغير عن الدنيا في غمضة عين، ظلت جواره تقص عليه حدوتة قبل النوم كما كانت تفعل معه، غاب عقلها عن الواقع، لا ترى إلا وجه ملاكها الصغير يبتسم لها وهي تشدد في ضمه لصدرها تخشى فراقه هكذا خُيل لها بأنه لا زال على قيد الحياة، لم تتخطئ صدمة وفاته بعد...
مر على طيفها ذكريات ما مرت به قبل خمسة أعوام عندما تخرجت من الجامعه والتحقت بالعمل داخل إحدى شركات المقاولات ليلتقي بها القدر بزوجها ومن هُنا كانت بدايتها مع شريك الحياة..
ركضت إلى منزلها بفرحة عارمة لتزف لوالدها خبر تفوقها بالجامعة واليوم حصلت على شهادة التخرج بعد مرور خمسة أعوام داخل أسوار الجامعة، اليوم أصبحت مهندسة لقبًا وفعلا، لابد وأن والدها ينتظر هذا اليوم على أحر من الجمر لكي يفتخر بابنته.
"أميرة" فتاة هادئة، رقيقة،تبلغ من العمر أربعة وعشرين عامًا، تمتلك وجه بيضاوي ببشرة بيضاء وعينين عسليتين صافيتين تقطران ملاحةً، وأنفًا صغيرًا دقيقًا وشفتين رقيقتين، ذات غمزة جذابة بذقنها المسحوب، متوسطة القامة بجسد ممشوق وشعر بني قصير يصل إلى كتفيها..
مرتدية بنطال من الكتان باللون الأبيض، يعلوه سترة سوداء ويحتضن خصرها الدقيق حزام أسود، تنتعل حذاء رياضي أبيض، وقفت أمام باب الشقة تسترد أنفاسها اللاهثة ثم رفعت كفها الرقيق تطرق به باب الشقة بفرحة، دقات تقرع كالطبول مثل نبضات قلبها الخافق بفرحتها المنتظرة، ولكن تهجم وجهها عندما انفتح الباب وطلت من خلفه زوجة والدها "سهام"
وهي حقًا كالسهام التي تخترق جسد"أميرة" وتفتك بها، عيون مصوبة بغضب تحتل وجهها الغليظ وصوت حاد يخرج من فاهها المنتفخ الملتخط بالأحمر القاني ووجنتيها الممتلئتين المصبوغة بالكثير من الحمرة ومستحضرات التجميل، كما أنها تصبغ شعرها باللون النبيذي المُقزز، كلما طالعتها أميرة بهذا الوجه تنتابها حالة من النفور والأشمئزاز، لكن الأخيرة تقف أمامها بجسدها المُمتل السمين بقصر قامتها، توبخها بسبب الجلبة التي أحدثتها من ضجة بسبب طرقها بهذا الشكل.
تحاشتها أميرة ودلفت مُسرعة داخل المنزل، سارت في أرجاء المنزل مرورًا بالصالة التي بها طاولة مستديرة ملتف حولها أربع مقاعد مطليه باللون البني الداكن، يعلوها مزهرية زجاجية شفافة داخلها ورود اصطناعية، ثم استرقت النظر داخل غرفة الضيوف الذي يوجد به صالون قديم الطراز باللون الأحمر ممزوج بالذهبي والحوائط مطليه باللون السماوي الغير لائق بلون الصالون وهذا الذوق القبيح الغير متناسق ألوانه من اختيار سهام القدر زوجة والدها الحبيب ، وقعت عيناها على باب غرفة نومه المجاورة لغرفتها باحثة عن ملاذها، والدها الحنون لعله يغادر غرفته ويطل عليها ببسمته العذبة ، ولكن اتاها صوت "سهام" يقذفها كالمدافع وتلوي ثغرها قائلة :
- والدكِ لم يأتي بعد يا سمو الأميرة.
أؤمت لها بايماءة طفيفة ثم دلفت غرفتها تنتظره وهي تتحاشى الجلوس مع تلك السيدة المُستفزة وتتساءل داخلها، لماذا والدها يتحمل كل هذه السهام المتوحشة ولكن تذكرت وجود شقيقها الأصغر، والدها يتحمل الكتلة البغيضة من أجل طفله فقط.
دارت داخل غرفتها مثل الفراشة التي ترفرف بجناحيها في حرية وأنطلاق، سعيدة بما حصلت عليه من إنجاز.
غرفة هادئة مثلها، تعكس عن شخصيتها بألوانها البسيطة والطلاء العاجي، والاثاث المكون من فراش ودولاب خاص بالملابس ومكتب تستذكر عليه دروسها وحامل خشبي موضع عليه اللوحات الهندسية الخاصة بدراستها ومنضدة زينة صغيرة الحجم بجانب فراشها، أثاث الغرفة بأكمله مطلي باللون الأبيض الملائكي لون قلبها وصفاء روحها النقية، موضع أعلى منضدة الزينة برواز خاص بصورة والدتها الراحلة.
بعدما دارت حول نفسها بفرحة ، غاصت داخل فراشها وهي لا زالت تفرد ذراعيها وتطالع سقف غرفتها والابتسامة تعلو ثغرها الرقيق ،شردت بخيالها ترسم أحلامها التي تنتظرها بعد التخرج ، واغمضت عينيها مُستسلمة لهذا الشعور الذي أجتاح جسدها من حماسها في الاقدام على عمل خاص بدراستها ،واثناء شرودها فاقت من أحلام اليقظة على صوت والدها الحبيب الذي عاد من الخارج لتو ،مناديا باسمها "أميرة"
فتحت مقلتيها بلهفة ونهضت عن فراشها تاركة غرفتها بخطوات واسعة تزف له تخرجها المُنتظر .
أستقبلها "محمود" بوجه باسم بشوش رغم تجعيد بشرته الخمرية الا أن لبسمته رونق خاص يليق بوقاره وهو الرجُل الستيني منحني الظهر قليلا بسب قامته الطويلة وكبر عمره ،خصلات شعره قصيرة رمادية يغزوها الشيب.
دنت منه ثم جلست بجواره ليضمها إليه بذراعه ويطبع قبلة حانية أعلى خصلاتها البنية قائلا:
- كيف حال ابنتي؟
تبسمت له ثم رفعت راسها لتلتقي عسليتيها الساحرة بسوداويتيه اللامعة وهي تقول:
- بأفضل حال والدي الحبيب، ثم أسترسلت حديثها قائلة:
-تخرجت ابنتك اليوم واصبحت مهندسة حقًا .
جحظت عيناه بدهشة وقال بعدم تصدق:
- حقًا ... من اليوم أصبحتي المهندسة أميرة
قالت بفخر :
-نعم قولا وفعلا.
قبلها يبارك لها نجاحها وهو فخور بها ،لديه فرحة لا توصف ،فقد حققت حلم والدها واليوم يراها كما تمنى ،كما أنها زفت له خبر أخر وهو تعينها في أحدى شراكات المقاولات ذي السيط المسموع وهذا ما جعل الفرحة تتضاعف سعيد بابنته ،فلذة كبده ، انسابت دمعته وهو يتذكر زوجته الراحلة، يا ليتها كانت على قيد الحياة لتعم الفرحة قلب ابنته ولكنها مشيئة الله .
هبت العاصفة سهام تجلس بجسدها الممتلئ بالمقعد المجاور لزوجها وهي تهتف بضجر :
- مبارك النجاح الذي حصلتِ عليه يا أميرة ،من اليوم سوف أبحث لكِ على زوج مناسب لقد كبرتي والفتاة ليس لديها إلا بيت زوجها
هتف محمود غاضبًا:
- وما شأنك أنتِ بالافضل لابنتي؟ دعيها تفعل ما يحلو لها، هي فتاة ناضجة وستكون مهندسة بارعة في عملها ،ثم أن الزواج يأتي كيفما شاء
قبلت وجنته ثم نهضت من جواره قائلة :
- غدا ساذهب لمقر الشركة وأحصل على وظيفتي التي تنتظرني.
طالعها بنظرة حانية وهو يدعو الله أن يوفقها في عملها القادم ،كانت عيناه تطالعها بنظرات قلقة مذعورة لا يعلم ماذا انتاب قلبه خيفة فجاة ولكنه تنهد بهدوء ولسان حاله يطمئنه بأنه مجرد هاجس قلق على ابنته ليس إلا .
ولم يمر إلا أيام معدودات ووفته المنية ورحل عن عالمنا وعن حياة ابنته التي لم يعد لديها داعم ولا سند غيره، رحل عنها والدها وملاذها في الحياة ، رحلت الضحكة وطفى الحزن على محياها ،انقشعت الفرحة وتبدلت السعادة إلى حزن عميق غاص بقلبها النقي ، البريء ، وجدت نفسها وحيدة تمامًا ، تشعر كأنها عارية دون ستر يتلحف بجسدها ، فقد كان والدها هو غطاءها وسترها ، أمانها وحصنها ، لم تجد سوا صوت صاخب عليها دائما ، نظرات غاضبة، هتافات ضجرة وأقاويل لاذعة من تلك البغيضة، سليطة اللسان "سهام" زوجة ابيها
التي اصبحت بعد وفاته لقمة سائغة في فمها ، في المجيء والذهاب تصوب سهام لسانها بانها لم يعد لديها مكانًا داخل المنزل وأن هذه الشقة خاصة بها هي وابنها فقط وعليها ترك المنزل وإلا أن تظل به خادمة لها ولطفلها ، لن تغادر من أجل العمل وهي سوف تزوجها من شاب ثري وتكون طوع امرها ، ومنذ وفات والدها وهي تُضيق عليها الحصار بعدما رفضت الزيجات التي تجلبها لها زوجه ابيها ، وابلغتها بانها سوف تظل بغرفتها وتدفع لها مبلغًا من المال مقابل وجودها بالغرفة من راتب عملها ، وافقت سهام على مضض ولكن من حين لاخر تلح عليها بالزواج ، لا يهم بان الزوج يكبرها بأعوام وفي عمر والدها ولكن كل ما يشغل بالها الثراء الفاحش ، ولكن "آميرة" لا زالت على موقفها وهذا ما دفع سهام بطردها من المنزل عدة مرات ،وبالنهاية انصاغت أميرة لاوامرها ورحلت عن المنزل ، بحثت عن غرفة بسيطة باحدى العقارات القديمة وأستأجرتها وظلت في عملها بالشركة ، مهندسة موقع شعلة من النشاط وهذا ما جعلها تعتاد فراق والدها وتنشغل بعملها .
كرست وقتها للعمل جادة ،مُجتهدة ، صبورة ومتحاملة ، أفشت ما في قلبها من حزن لصديق عملها "عاصم" الشاب الثلاثيني الذي كان مكتبة مجاور لمكتبها ، شهد على مأساتها من حزن وفقد وفاة والدها ثم طرد زوجته لها وبحث لها عن مكان أخر ، وجدته شاب شهمًا ،انجذبت له وتلاشى حزنها رويدًا رويدًا، كما أنها شعرت بمشاعر داخلها لاول مرة ينتابها هذا الشعور من الحب والاحتواء وعاد اليها الامان ثانيًا بقرب هذا "العاصم"
وسيم الملامح ،طويل القامة ،عريض الجسد ، بوجه مستطيل أبيض وعينان خضرويتين براقة بلمعة طفيفة وأنف مستقيم وشفتين ممتلئتين قليلا ، حسن المظهر، ينثر عطره الفواح ذا الماركات العالمية الشهيرة، يرتدي الملابس المُهندمة البذل الكلاسكية ، فهو شاب وحيد أبويه من اسرة ميسورة الحال ،كل ما يحلم به يجده ،لديه سيارة فارهة باللون الفضي ، قليل التواجد بمواقع العمل خارج الشركة فهو يخشى افساد مظهره الجذاب تحت أشعة الشمس القظة ،لذلك يتواجد بمكتبه داخل الشركة ويتابع عمله من خلف الهاتف المحمول وهو جالسًا واضعًا ساق فوق الاخرى .
كان ينتهز حماس "أميرة" ويستغل جديتها في العمل ويتركها تتابع عمله المكلف به خارج الشركة بحجج واهية ، وهي فتاة بريئة كانت تفعل ذلك عن طيب خاطر ،وهكذا أستمرت صداقتهم قرابة العام منذ أن خطت أميرة قدميها داخل الشركة ،وهي تخفي مشاعرها بقلبها ولكن عينيها الصافيتين تفضح أمرها ، وأعجب بها عاصم أيضا وتبادلا المشاعر الصادقة معًا وبسبب وحدتها قرارا الزواج ، فرحت عائلته بهذا الخبر السعيد وتم الزواج بالفعل ولم يمضي على زواجهما شهرًا إلا وسقط القناع الذي كان يتوارى خلفه هذا الوجه الوسيم الجذاب، اتت الرياح بما لا تشتهي السفن ،أنسدل الستار عن حجب عقله وتفكيره وظهرت النوايا الخبيثة التي كان يستدير خلفها.
بعد أنقضاء شهر العسل وعودتهم لعملهم داخل الشركة ، بدات الحجج تعود ثانيا ويتغيب عن عمله ويترك زوجته تذهب وحدها للعمل ، تعمل بجهد وتعب وتعود للمنزلها تفعل هي اعباء المنزل ايضا وهو أما بالخارج وهي لم تعلم اين يوجد اما نائم بفراشه كما تركته صباحًا ، سأمت ذلك الوضع وعندما حاولت الحديث معه فاجأها بالسب والضرب المبرح وان تبتعد عنه فهو غاضب وعندما يهدا يعود اليها مُعتذرًا ويخبرها لم يكن في وعيه عندما طاوعته يده بأن ينهال عليها ضربًا وهي كالمغيبة تسامح وتمر له فعلته فهي لا تملك من الدنيا سواه ..
مر شهرًا يليه الأخر ولم يتبدل حالهم إلا سوءا وذات يوم عند عودتها من عملها مُرهقة يتعرق جبينها أثر الشمس الحارقة ، داهمها دورا كادت ان تفقد وعيها ولكنها استردت انفاسها بعدما قدم لها صديق عملها مشروب طازج وطلب منها العودة لمنزلها وهو سوف يباشر عملها نيابة عنها ، بالفعل عادت للمنزل لتجد الصاعقة الكبرى التي جعلت جسدها يرتجف وانفاسها تكاد أن تنقطع تمامًا ، لم تصدق عيناها ما رأته.!..
وجدت "عاصم" جالسًا خلف طاولة السفرة المستطيلة ذات الاربعة مقاعد بمطلية باللون الفيروزي كما الوان الحوائط من نفس اللون الفيروزي الهادئ، يسند بمرفقيه على الطاولة و ينثر مسحوق (الهيروين)داخل باطن كفه الايسر ثم التقط النصف ليمونة التي وضعها أمامه؛ يقطر ما بداخلها من عصارة على تلك البودرة البيضاء ،ثم يسحبها داخل أبرة ويحقن بها نفسه بالوريد وهو مغمض العينين يتلذذ ما فعله ، عندئذ سار السم الابيض داخل جسده ثم ارتخ الجسد المتشنج ولم يكتفي بذلك سكب كأسًا من الخمر وتجرعه على رشفة واحدة ، وعندئد شعر بأرتخاء جسده ،ترك المقعد ومدد بجسده أرضا اسفل السفرة .
بينما هي واقفة متسمرة مكانها، جاحظة العينين ، مصدومة مما رأته أمام أعينها ،كأنها داخل حلم أو كابوس رافضة إستيعاب ما جرا ، أرتجفت أوصالها ولم تسطع التفوه بكلمة كأنها شُلت تمامًا وخارت قواها لتسقط أرضًا ويحدث صوت أرتطام جسدها جلبة مما جعله ينظر حوله كالمغيب ليشاهد زوجة فاقدة للوعي ، فاق من نوبة خموله وسُكره وزحف على ركبتيه يقترب منها في محاولة لإفاقتها ، نظر حوله بتشتت لا يعلم ماذا عليه أن يفعل وهي ساكنة على قدميه ، اخرج هاتفه وأجرا مكالمة هاتفية بوالدته يريد منها المساعدة ، اغلقت والدته الهاتف معه وتحدثت مع طبيبَا على معرفة به، واعطته عنوان مسكن"عاصم" ثم ذهبت إليه على الفور .
❈-❈-❈
حملها عاصم في ذلك الوقت وسار بها بخطوات دَنِفَة إلى حيث غرفتهم ،أراح جسدها أعلى الفراش ، وظل يحدق بها طويلا إلى أن أستمع لرنين جرس باب الشقة ،اسرع في خطواته يُلبي نداء الطارق ، وجدها والدته والطبيب الذي أتَا أيضا ، دلفت "وفاء" بقلق وهي تتساءل عن حالة زوجته
سيدة طيبة في الخمسين من عمرها ، ذات قوام نحيف وملامح حانية، بوجه أبيض نضر وعينين واسعتين بنيتين وأنف صغير وشفتين ممتلئتين بلون الورد وخصلات شعرها مصبوغ بالاشقر يتخلله خصله رمادية تبرز جمال طلتها ، ترتدي بلوزة بيضاء مُشجرة بها ألوان ورود الربيع بكم طويل وبنطال أسود قماش وحذاء أسود ذا كعب متوسط.
دلف الطبيب الغرفة ودلفت خلفه السيدة "وفاء" ووقف عاصم كالصنم على أعتاب باب الغرفة بعينين حائرتين وجسد خائر .
فحصها الطبيب تحت نظرات وفاء القلقه وهي تخبره بأنها لا زالت عروس في بداية حياتها ولم يمر على زواجهم سوا ثلاثة أشهر ، هز الطبيب رأسه بتفهم ودون لهم أجراء تحاليل طبيبة ويبدو أنها فقدت توازنها بسبب سوء تغذية وهذا ما جعل جسدها يدخل في حالة أغماء بسبب هبوط الضغط المُفاجئ ، وسوف تسترد وعيها خلال دقائق بعد أعطاءها محلول وريدي مُغذي .
جلست وفاء بجوارها تمسد على وجهها برفق وتصوب أنظارها لعاصم الذي أشاح مقلتيه بعيدًا عن تحديق والدته ، وترك الغرفة بتوتر ليهاتف صيدلية قريبة من منزله ويطلب منهما أحضار ما دونه الطبيب وأن ياتي شخص ليعطي زوجته المحلول الوريدي.
بعد مرور نصف ساعة بدات "أميرة" في انبلاج مقلتيها ببطء وهي تنظر حولها بوهن، دارت حدقتيها العسلية بالغرفة حيث الاثاث الفخم ذا الطلاء الخشابي اللامع والوان الحوائط باللون البمبي الهادى به أمواج من البرتقالي كأنها أشعة الشمس الدافئة التي تتسلل من شرفة الغرفة وتعطي مظهرًا جذابًا ، وقعت عينيها على وجود زوجها الواقف عند الفراش وتلاقت أعينهم في نظرات قلقة ،خوف ، رهبة تسللت داخلها ، جف حلقها ولم تقدر على ابتلاع ريقها ،تذكرت ما كان يفعله وعادت الرجفة لجسدها الهزيل أثر الاعياء والصدمة التي قضت على كل شيء داخلها من محبة لزوجها الوسيم ،الحاني ،الحصن التي كانت تحتمي داخله أصبح الان أمامها مجردًا من ذاك القناع الذي خدعها به ،سقط القناع عن وجه الملائكي ليظهر الوجه الحقيقي للشيطان المخادع
لم يفهم عاصم نظراتها التي تبدلت وكأنه يرا داخل مقلتيها يشع منهما الغضب والكره ، أين اختفت نظرات المحبة ،العشق، الهيام ، فزوجته كانت تغدق عليه بمحبتها وعشقها الذي يظهر للجميع ، حتى انها دائما تسامحه على نوبات غضبه عندما كان يتودد لها ويعتذر ، هو لم يفعل لها شيء ولم يدر بينهما شجار ، هو وجدها فاقدة للوعي دون سابق أنظار ، ولم يشعر بدلوفها داخل المنزل ، لحظة حيرة ، صدمة ، إستعاب ، ابتلع ريقه بصعوبة عندما أيقن انها رأته يتعاطى السموم التي تتوغل بجسده ، نظر أرضًا في خزي
بدأت دموعها في الهطول ،تجرف معها ذكريات ما مرت به، كأن الزمن يعاود بصفعها وتسديد لها صفعة تلو الاخرى تدمي بقلبها النازف وجرحها الغائر الذي يصعب الشفاء منه.
،وجدت يد حانيه تحاوطها ، نظرت بذعر لتلتقي بتلك السيدة التي أحتضنتها بحب ، بكت داخل أحضانها وعلت شهقاتها ولم تكف عن البكاء الذي مزق نياط قلبه ، ترك الغرفة بعجالة والتقط قنينة الخمر التي قابلته اعلى الطاوله وقزفها بقوة لتتهشم وتصير أشلاء .
علم حينها بأنها رأت ما كان يفعله وأحدث شرخًا عميقًا بعلاقتهما.
أما عنها فظلت تبكي بمرارة وفقد كأنها خسرت والدها اليوم وظلت ترتجف وتحكي ما شاهدته ، سردت على مسامع "وفاء" ما حدث وجرا أمام عينيها ، يبدو بأن والدته على علم بما يفعله ابنها ، لم تجد أميرة منها نظرات صدمة أو مفاجاة على محياها ، أبتعدت عنها بنظرات دهشة وهي تصرخ بوجهها وتلطم خديها بهسترية وأنفعال
- أنتِ على علم بما يفعله "عاصم " ؟ تعلمين بأنه مُدمن مُخدرات ؟ لما لم تخبريني بحقيقة الامر من قبل ؟
حاولت وفاء تهدئتها وهي تبكي بدموع أم مكلومة ، مُنفطرة على ولدها وقالت بيأس:
- ظننت بأنه سيكف عن هذه السموم بعد أن التقى بكِ وأحبكِ وأصر على الزواج منكِ، وعدني بأنه ابتعد عن كل هذا واصبح شاب أخر
وضعت كفيها على أذنيها رافضة الاستماع لما تقوله وهي تصرخ قائلة:
- كذب ... كذب ... يكفي خذاع ، لقد خدعني وأنتِ ايضا لم تخبريني من قبل ، جلست معكِ ظننتكِ آمي ، أخبرتك لم يعد لدي أحد بعد فراق والدي إلا عاصم ولم أتحمل خسارته
قاطعتها وفاء قائلة:
-خشيت أن تتركيه وتتدمر حالته ، لكن وجودك جانبه سوف يصبح منه شابًا قوي سيتعافى من أجلك وأجل حياته معكِ
عصفت بها الحياة ثانيًا وذاقتها مرارة الفقد وخسارة أحب الناس ، يا ليت والدها جوارها لتشتكي له كل ما يحدث معها الان ويشاركها القرار .
قالت بصوت مثقل مفطور:
- وهل هو على أستعداد للتعافي والشفاء من الادمان؟
اقترب منها بخطوات متلهفة وبكى عند قدميها ، وهو محتضن كفيها يشدد عليهما بقوة قائلا بصدق:
- أرجوكِ إلا تتركيني وسافغل كل شيء من أجلك ، ساترك كل شيء يبعدني عنكِ ، اعدك بذلك .
ضمته لصدرها وظلا يبكيان سويا إلى أن خارت قواه واستسلم لنوم هادئ بين ذراعيها .
تركتهم والدته بعدما أقسمت أميرة بعدم التخلي عن زوجها وساتظل جانبه وتساعده على الشفاء وتكون جواره خطوة بخطوة ليتماثل الشفاء نهائيًا ..
❈-❈-❈
علمت بخبر حملها وعادت الفرحة داخل عشهم السعيد ، كما أن عاصم تمسك بالعلاج والتشافي وذهب بنفسه إلى المصحة لمعالجة من الادمان وظل بها ستة أشهر وكانت تتردد عليه أميرة في زيارات متقاربة وتشاركة فرحتها بنمو جنينها وزفت له خبر حملها بصبي وأنه سيكون طفلها الاخر ، لانه طفلها الاول ، واختاروا له الاسم سويا ، كما شاركها في اختيار ملابسه وكانت ترسل له الصور عبر كاميرة هاتفها وكان معها لحظة بلحظة وعند اقتراب موعد الولادة ترك المشفى وظن الجميع بانه تعافى ولكن عاد ينتكس ثانيًا ولكن دون علم أحد ..
اتاها المخاض ولم تجد جانبها ، ساعدتها جارتها ونقلتها إلى المشفى وقبل ان تدلف لغرفة العمليات حاولت مرارًا وتكرارًا الاتصال بزوجها ولكنه لم يجيبها ومن هنا وجدت نفسها وحيده ، تواجه كل الصعاب وحدها ، بدلا عن شعور الفرحة بمولودها الحبيب الذي تنتظره بقلب متلهف ، غمرتها مشاعر الحزن ، الفقد ، الحسرة والخذلان ، تبخرت كل معالم السعادة وصرخت باعلى طبقات صوتها ليس من ألم المخاض ولكن من ألم قلبها وجرحها الذي عاد ينزف دون التئام ، دماء نازفة لم تجف بعد، جرح يقطر دما، خنجرًا مسمومًا داخل قلبها الذي يخفق من أجله فقط ، طعنها بسكين بارد وهدم معها أحلام وردية اصبحت واهية، عند صرخة طفلها اول صرخات اعلان عن وجوده بالحياة ، كانت هي نفسها الصرخة التي أخرجت والده من داخل أسوار قلبها ، مح الصغير والده من حياتها للابد وقررت الاستمرار فقط كزوجته ولكن أصرت على تركه للمنزل ،لانها اصبحت تخشى على صغيرها وجود والد كهذا في حياتهم وداخل منزلهم .
عاد مرارا وتكرارا يطلب العودة والغفران وكانت تسامحه فقط من أجل صغيرها لا تريد حرمان الصغير من والده ، كانت مخطئة عندما ظنت بأن وجوده بالمنزل سيساعده على التشافي ثانيا وكل مرة يعدها بالتغير والتحلي بالصبر وهي الحائط الصلد الذي تدعمه ويتكئ عليه ، وكلما يأست وصرخت بوجهه ينهال عليها بالضرب والسباب وكل ذلك تحت انظار صغيرها الذي اصبح عمره عامين ، وعادت للعمل ثانيا وقررت ترك صغيرها بروضة خاصة بالاطفال في عمره وعند عودتها من العمل تذهب لجلب طفلها معها وعاصم سكير بالمنزل ، نائم اثر الخمر والمخدر الذي ينهش بجسده ، وهزل جسده وضعفت بنيته وكأنه مثل الشبح الهزيل لا حياة ولا روح فيه ، روبورت فقط ينفذ أوامر عقله المغيب ، كلما حاولت طرده من المنزل يبكي لها بأن لا حياة بدونهم ويهدد بالانتحار والخلاص وأنه لم يعد لديه قدرة على الحبس داخل مصحات ويريد أن يموت لكي يريحها ، قلبها البريء يشفق عليه ويصدقه وتتركه ولكن طالبته بالابتعاد عن صغيرها ولن يحتك به فهو تخشى قربه من طفلها .
❈-❈-❈
مر عام أخر من المعاناة وهي حزينة شاحبة الوجه ، ذابلة العينين بسبب حياتها البائسة مع هذا العاصم الذي لا زال يحتل مكانًا داخل قلبها ، تريد طعن قلبها بيدها بسبب حبه لهذا الشخص عديم المسئولية ، مُدمن ، مشرد ، ولكن قلبها أبَا أن يبتعد عنه ، وجوده بالمنزل يمثل لها الامان ، حتي واذا كان معهم جسد بلا عقل ولا روح ولكن وجوده يمنع عنها ألسنة الناس ونظراتهم الخارقة لمفاتن جسدها ، تعمل هي بكل كد وتعب وتعود لمنزلها برفقة الصغير يلعبون ويمرحون وتركض خلفه بالطعام وتسرد عليه حكايات قبل النوم وتضمه لصدرها وتغط بنوم عميق جواره ، كل هذا يحدث تحت أنظاره الشريدة ، يدلف غرفته ويوصدها عليه ثم يجلب السم الابيض الذي يغيب عقله وجسده ويكون بعالم أخر ، هكذا هي حياته ، لن يستطيع التقرب لزوجته ولم يقدر على اعطاءها حقوقها الزوجيه ولن يستطيع مشاركتها لحظات من السعادة وهي تداعب صغيرهم وتلعب معه ، حتى المرات القليلة التي ركض فيها الصغير يحتمي خلفه هربًا من والدته وهو يشاكسها المرح واللهو ،يبتسم له دون أن يلتقفه باحضانه ، يعانفه ويضمه ويستنشق رائحته الجميلة التي تشبه رائحة ملاكه البريء "أميرة"
لاحت شبح ابتسامة أعلى ثغره وهو يتذكر لحظاتهم السعيدة معًا قبل ان ينتكس ثانيًا ولكنها لحظات قليلة ولم تدوم ، كان يلوم حاله ويجلد ذاته وشعر بتشنج عضلات جسدة، ارتجف جسده بقوة وهو يحك بذراعيه وعنقه، جسد هزيل، ضئيل يتصبب عرقًا، جف حلقه وهو يحاول البحث عن ضالته، قلبًا الغرفة

تعليقات
إرسال تعليق