بيت زجاج الفصل الاخير فاطمه الألفي
قلبًا الغرفة راسًا على عقب وهو يصرخ بأعلى طبقات صوته :
-اين أختفى هذا الملعون؟
دار بالغرفة مثل الثور الهائج لم يعد لديه قدرة على التحكم بجسده، وخزات متفرقة تضرب بأوصاله، وجه شاحب وعيون وهاجة تشتعل بحمرة، تحاوط عينيه هالات سوداء كاتمة، يحك شعره الاشعث بتوتر، فتح خزانة الملابس وظل يعبث بداخلها ويلقى كل ما تطاله يديه خارجا لتتناثر الثياب حوله، جن جنونه وهو يبحث عن مزاجه اللعين، تلك المادة البيضاء السامة التي تذهب بعقله، تجعله بعالم اخر مغيب تمامًا عن واقعنا هذا، وقف يتارنح في خطواته المذعورة وهو يبحث عن مبتغاه، وقعت عيناه على إدارج الكومود، ركض إليها وأخرج محتوياتها بعثرها أرضا ليجد ذاك الكيس الشفاف الصغير الذي يوجد به بعض الجرامات من سم العقول الذي يقتل العقل والجسد معَا.
على الفور افرغ محتواه بكف يده اليسرى وأخرج من جيب بنطاله نصف الليمونة ثم سحقها على هذه البودرة البيضاء لتمتزج معها وأخرج ابرة من درج الكومود وسحب ما وضعه بكفه وشمر عن ساعده ليظهر وريده المنتفخ من أثر الوخزات المتفرقة حوله ثم غرس الإبرة داخله وهو يتلذذ فعلته تلك ثم جلس أرضا ومدد قدميه وفرد ذراعيه كالجثة الهامدة وعيناه تجحظ بسقف الغرفة..
❈-❈-❈
اليوم عيد مولد صغيرها لقد اتم عامه الثالث وارادت ان تحتفل به ، لم تذهب إلى عملها ، قررت صنع كعكة الشكولاته التي يعشقها صغيرها ، تركته نائم بغرفته كالملاك ، طبعت قُبلة رقيفة أعلى خصلاته القصيرة وأخرى عند وجنته ثم تركت الغرفة بخطوات بطيئة لكي لا توقظ صغيرها ويلحق بها داخل المطبخ ويفسد عليها صنع الكعكة .
تململ الصغير في فراشه ، فتح عيناه الصغيرتين فلم يجد والدته جواره ، تبسم في زهو ونهض عن فراشه لكي يلعب ويتشاقي دون قيود ولادته ، كما أنه قرر الدلوف لتلك الغرفة المُحرمة عليه دخولها وهي غرفة والده ،طالما منعته والدته من الاقتراب منها هو اليوم داخله فضول الطفل الشقي الذي يريد أكتشاف ما تخفيه الابواب المغلقة ، غادر الغرفة وهو يسير على أطراف أصابعه بعدما رأ والدته منشغلة داخل المطبخ يبدو بأنها تصنع له شيء شهي ليتذوقه .
دلف غرفة والده وجده يغط بنوم عميق جال بعينيه الصغيرتين داخل الغرفة وجدها منقلبة رأسًا على عقب ،تساءل بفضوله الصغير
- هل والده فقد أحدى العابه لكي يفعل تلك الهوجة بغرفته ؟ أه لو رأت والدته هذا التبعثر سوف تقوم القيامة
بينما هو يطالع كل تلك الفوضى ، لفت نظره كيس بلاستكي صغير الحجم به مسحوق ابيض مُلقى بجوار الكومود ، لاحت ابتسامة الصغير وهو يلتقط ذلك الكيس قائلا بفرحة :
-سُكر
التقطه بكفه الصغير وفتحه ليلعق محتواه بلسانه ونثر القليل منه يلتخط شفتيه الصغيرتين، احمر وجه الصغير وازدادت نبضات قلبه، انقطعت انفاسه، وشحب جسده بزرفة قانية، اختنق صدره ولم يقدر الصغير على منادة والده النائم، حاول الاستنجاد به ولكن أبًا لسانه التحرك ولفظ أنفاسه الأخيرة ومقلتيه تطالع والده النائم دون حراك..
أثناء أنشغالها بطهي الكعكة ،أنقبض قلبها فجاة ،وأخرجت تنهيدة عميقة ، ثم تركت ما تفعله لتتوجه وتتفقد طفلها النائم بسلام ولكن شهقت بصدمة عندما وجدت الغرفة فارغة ولم تجده ، ركضت تبحث عنه وهي تنادي بأسمه ،لم ياتيها رد ، وجدت باب الغرفة الخاصة بوالده مفتوحًا سارت بخطوات متعجلة تدلف الغرفة بتوجس وهي لا زالت تنادي بأسم صغيرها .
صرخة مدوية نطقتها "أميرة"وهي تركض إلى طفلها "يــــوسف" الملقى أرضًا جاحظ العينين ، هوت اليه تتفقده وضمت جسده بلهفة وظلت تهزه برفق وتربت على وجنتيه ووجه الصغير، وتضغط برفق على صدره مكان قلبه الصامت الذي خلى من نبضاته، صراخات متتالية، اهتزت البناية بأكملها على أثر صراخات الأم المنفطرة على فقدان صغيرها، فلذة كبدها، روح فؤادها، فرحة عمرها.
اظلم وميض عينيها وتوشحت بالسواد الكاتم وكأنها جسدًا بلا روح لم يعد قلبها ينبض بصخب داخل صدرها، توقفت نبضاته لفراق صغيرها التي متشبثة به، رافضة تصديق واقعها المرير، كابوس مفزع تتمنى الاستيقاظ منه، لم يصدر عنها غير صراخات مكلومة، مبحوحة، تهتف منادية نبض قلبها وأمان روحها، طفلها الساكن بين يديها محتضنه الموت..
فتح زوجها عيناه بوهن وعندما شاهد ذلك المشهد امامه، انتفض جسده واقترب منهما يسحب منها الصغير يحاول ان يتفقد ما به لتنظر له بعيون تنهطل منها الدموع كالسيول دون توقف :
-انت قتلت يوسف، قتلت طفلي
انهالت عليه تسدد له ضربات بقبضة يديها وتصرخ به
-قتلت صغيري، أريد يوسف، أجلب لي يوسف.... يوسف...
❈-❈-❈
داخل المقابر ..
جثم الليل ستائره وحضر سواده ودبت حركة الرياح وحفيف الأشجار الذي يتراقص بهوجاء وسط دياجير الظلام.
هذا المكان كفيلا بأن يدب الرعب في أوصال الجميع إلا هي ،فقد كانت كالمغيبة لا ترا ولا تسمع إلا صوت صغيرها الذي يتردد في اذنيها مناديا إليها ، تجُر قدميها جرًا لملقاة صغيرها ،تتوق لضمته ، تريد تطويقه بين ذراعيها عوضًًا عن التُراب الذي تلحف جسده الضئيل .
سارت بين القبور تنساق إلى مقبرة طفلها، كادت قدميها أن تتعثر أكثر من مرة ولكن تحاملت على نفسها من أجل اللقاء ، لقاء الام بولدها ، لقاء المُحب بحبيبه ، لقاء الجسد بالروح ، هكذا ظنت بأنها ستجده ينتظرها ويمد ذراعيه كما كان يفعل عندما تعود إليه ويتشبث بعنقها وهي تدور به كالفراشة لتتعالى ضحكاتهم سويا .
جلست أمام قبر صغيرها متلحفة بالسواد، أصبحت حياتها حدادًا مثل ثوبها الأسود، بعيون واسعة جاحظة تطالع الفراغ بنظرات حزينة، تائهة، ضائعة، خاوية من كل معالم الحياة.
تنهمر الدموع بصمت مكلوم، ما زالت غير مُصدقة فراق صغيرها ذا الثلاثة أعوام.
"يوسف" ذاك الطفل الشقي، جميل الوجه صبوح الطلة، بعيون ناعستان بلون العسل وانف صغير وفم معقود ذا الجسد الضئيل، الذي لا يكف عن الحراك ، يركض داخل الشقة وصوت ضحكاته تُجلجل بكل أرجاءها وهي تركض خلفه تريد الامساك به لكي تطعمه وجبة طعامه، كانت حياتها مُتعلقة بهذه الزهرة الصغيرة، تحملت من أجله الكثير من القسوة والظلم الذي وقع عليهما بسبب زوجها المُستهتر.
عيناها مصوبة على القبر الذي يحتضن جسد الصغير ، تمسد بكفها على بابه كأنها تحاوط جسد صغيرها وتقوقعت على نفسها تريد أن تضمه إليها لكي يشعر بوجودها جانبه ،تريد أن تخبره بأنه لن تتركه وحيدًا ، رفعت صورته التي كانت تقبض بقوة عليها تقبلها قبلات متفرقة وتعده بأنها لن تبتعد عنه ثم تضمها لصدرها وَ تربت عليها بحنو وصوت همساتها يخرج خافتًا، مُنكسرًا، حزينًا :
-اشتاقت إليك يا روح فؤادي، لما تركتني يا صغيري؟ لا تخف الظلام يا حبيبي أنا جانبك ، والدتك لن تتركك
سانام جوارك ولا تخف ، ثم مددت جسدها تفترش الارض وتطالع قبره كأنها تراه يبتسم لها لتبادله البسمة وتمد يدها لتتشابك مع كفه الصغير ولكن نهضت بفزع عندما وجدت الكف الذي يتشبث بكفها هو كف زوجها عاصم ، قاتل ابنها..
***
الحزن بادٍِ على صفيحة وجهه والقهر ضامره، ينهشه الندم نهشًا، يُطالعها بعينين قلقتين وقلب يغوص به الحسرة، لا يعلم كيف يواسيها فقدان صغيرهم وهو المُتسبب في كل ما حدث ، هو الجاني الذي ضحى بفلذة كبده من أجل مزاجه اللعين، هو الشيطان الذي زج بابنه للهلاك والخسارة ، هو القاتل ويستحق اشد العقاب ، لكن ما ذنبها بأن تخسر طفلها، روح فؤادها ، نور عينيها فهي لا ذنب لها في افعاله ولا تستحق هذا العقاب ، هو وحده المُخطئ الذي انساق خلف نزوة الادمان ، دمر حياته وحياة عائلته وهشم كل شيء بيده فعل كل هذا ، الأن فقط صحى من غفوته ، اليوم علم بأنه كان يسير في طريق الهلاك بعدما فقد ثمرة حياته، يتمنى العودة بالزمن حتى يستطيع إصلاح الأخطاء التي ارتكبها ولكن فات الأوان على ما حدث، ولن ينفع حتى الشعور بالندم..
صرخت بوجهه مذعورة برؤيته صارخة بحسرة :
-لم أندم على شيء في حياتي كما ندمت على حبي لك، فبدل أن تمشي بي في طريق السعادة جعلتني أمشي في طريق الحزن، لقد قتلت "يوسف" قتلت صغيري يا ليتك مُت أنت وبقي لي طفلي، أريد يوسف
بكى بندم ومرارة وهمس بصوت خافت مُعتذر :
-سامحيني وسنعوض معًا يوسف ، سأعود كما تتمنين، سنبدأ من جديد، اعطيني فرصة أخيرة
صرخت به مقاطعة حديثة الذي لم تعد تطيق سماع صوته ولا همسه ولا حتى قرب أنفاسه :
- اصمت ... كفى هراء، يوسف لن يعوض ولن يأتي مثله ولن اكون لك زوجة بعد اليوم ، عن أي فرصة تتحدث ؟ لقد أنتهى ما كان يربطني بك للأبد وسوف تدفع ثمن قتلك لطفلي ، لن يهدأ لي بال إلا وحبل المشنقة ملفوفًا حول عُنقك ، أنت قاتل .. قاتل طفلي ، لن يسامحك الله ولن يعفو عنك بعدما خطفت زهرة عمري ، ستنال ما تستحقه من عقاب
عادت تضم قبر صغيرها وهي تردد بصوت خافت إلى أن غفلت بحوار طفلها ،حبيبها
- من قتلك سيقتل ويدفع ثمن وفاتك يا حبيبي ، نام قرير العينين يا صغيري ، والدتك لن تتركك ستظل جوارك ولن أترك حقك يا حبيبي لن أتركه ينعم بالحياة بعد اليوم ...
❈-❈-❈
سار طريقه مُتخبطًا ،شريدًا ،هائما على وجهه، لا يعرف إلى أين تسوقه قدميه ، بعد مرور برهة من الزمن وجد نفسه أمام العقار الذي كان يقطن به مع والديه قبل زواجه
صعد إلى حيث وجهته ،دق جرس الشقة وانتظر هنيهة حتى فُتح له الباب وطلت والدته من خلفه
بعيون دامعة ،حزينة على فقدان حفيدها ، وطالعته بحزن عميق ،فقد كان شاحب الوجه اشعس الشعر ، غير مُهندم الثياب ،مرتديًا قميصًا بعشوائية وبنطال أسود مُتسخ أثر جلوسه بالمقابر ، هيئته فوضوية لم يكن ولدها التي تعرفه ،كأنه شخصًا أخر .
التقفته بأحضانها تربت على ظهره بحنو ، ترك لدموعه العنان وظل يبكي وينتحب ويصرخ بقلب ملتاع ، مات طفلي ،فقدت يوسف ، قتلته بيدي ، يا ليتني مُت وبقي هو
غادر والده الغرفة غاضبًا ووقف في مقابلته قائلا بانفعال:
- اليوم فقط علمت بانك قتلت طفلك ، انت قتلت نفسك قبله ،عندما توجهت وسلكت طريق اللا عودة ، كنت مخطئ عندما قبلت بزواجك وتدمير حياة فتاة بريئة لا ذنب لها في تحمل زوج مثلك ،أنت عار على الرجال، يا ليتك مُت حقَا ، يا ليتني لم انجبك.
حدق بوالده بنظرات تائهة وخرج صوته مهزوزًا ،مُضطربًا :
- ومن فعل بي هذا ؟ رفع سبابته واشار بها إلى والديه قائلا:
- أنتم من فعلتو بي هذا، صنعتوا مني شابًا مُستهترًا ، عديم المسئولية ، كل هذا حدث بسبب تغافلكم عني وعن نصحكم لي ، لم تكن يومًا الاب الناصح الامين على ولده ، فقط كنت تجلب لي افخم الثياب وأرقًا العطور ، وتنقدني المال الوفير وتُلبي لي كل احتياجات فتى طائش بعمر المراهقة ، لم تحاول التقرب مني وفهم مشاعري ،لن تحاول أن تكون لي صديقًا ، جعلت مني فتى مدلل ، وأمي جعلت مني شخص هش لم أقدر على أختيار أي شيء ، طمست هويتي وهدرت شخصيتي، حتى الطعام هي التي تختار طعامي دون رغبة مني هل أفضل هذا ام لا ، والثياب والاصدقاء وكل شي خاص وادق التفاصيل هي التي تنوبها عني ، والجامعة التي ابغضتها منذ أول يوم دراسه، أجبرتوني عنوه على أن أكون مهندسًا ناجحًا وأنا لم يكن لدي أي أحلام ، الشي الذي اخترته بنفسي هو غياب العقل ، سأمت العيشة الرغداء وسأمت أسلوب الحياة كأنني مجبر على فعل كل هذا مثل الروبوت ، تمردت على حياتي ، وسلكت طريق الادمان محاولة غبية مني لتمرد على وجودي بينكم في هذه الحياة .
علت شهقاته واختنقت أنفاسه وهو يسترسل حديثه الصادق والمواجهة التي تأخرت كثيرًا
-أميرة الفتاة التي أعجبت بها، اشفقت عليها من زوجة ابيها القاسية وعلى مصيرها المجهول، لذلك أردت أن تكون لي ،وجدت بها الامان والفرار من هذا السجن، حاولت التخلي عن حياتي بأكملها ولكني جبان لم اقدر على اتخاذ تلك الخطوة ، حاولت من أجلها الاقلاع عن الادمان ولكني خيبت أمالها وحطمت أحلامها ، كسرت خاطرها ومزقت فؤادها وقتلت صغيرنا الذي تمنيت أن اضمه ثانية وينتهي عمري بعدها ، بعدت عنه لكي يتربى على يد والدته التي طالما حلمت بأن تراه شابًا يافعَا ، رجُلا مسئولا لا يكون صورة مصغرة مني ، أنا أستحق الموت وليس يوسف.
ظل يصرخ كالمجذوب ينادي باسم طفله وزوجته، وقيد والده حركته بينما ركضت والدته تستدعي الطبيب
خارت قواه بعد نوبة الصراخ وعندما أتًا الطبيب اعطاه ابرة من المهدئ ونصحهم بأن يتم وضعه داخل مصحة لعلاج الادمان والصدمة العصبية التي تعرض لها بسبب خسارة طفله وأنه المتسبب في ذلك ، وقبل أتخاذ القرار صدح رنين جرس المنزل ، توجهت "وفاء" بفتح الباب لترا أمامها قوة من الشرطة تأمر بضبط وأحضار "عاصم الجوهري" بسبب أخطار من المشفي بأنه تسبب في قتل طفله الصغير بمادة الهيروين التي جعلت قلب الصغير يتوقف تمامًا عن النبض ..
❈-❈-❈
غادرت قوة الشرطة منزل "عاصم" بعدما أخبرهم الطبيب الذي فحصه بأنه لن يستيقظ بعد حقنه بالمهدئ إلا بعد مرور ثلاث ساعات ، وتركت أحدي العساكر داخل المنزل متحفظًا عليه وعند إفاقته يحضره في الحال ليتم التحقيق معه بالواقعة ..
ظل العسكري ملازمًا لجسد عاصم الممدد أعلى الفراش دون حراك .
بينما "وفاء" تبكي بمرارة بغرفة الصالون المُدهب المصمم على الطراز الحديث ومن حين لاخر ترمق زوجها بنطرات عتاب وتعاود البكاء ثانيًا .
تنهد بضيق وطالع البرواز الضخم المثبت بالحائط الذي يضم صورته هو وزوجته وابنه عاصم في مرحلة المراهقة ويهز رأسه بقلة حيلة ويلوم نفسه قائلا:
- هل أخطاءنا حقًا في تربيته ، فعلنا له كل شيء فهو ولدي الوحيد وكم تمنيت أن أراه سعيدًا بحياته ، لم يشتكي همًا ولا حزنًا ولم يشعر بضيق المعيشة كما عانينا بالماضي
أجابته بيأس :
- عاصم محق هذا نتيجة التدليل الزائد ، لقد افسدناه دون وعي ، كنا نتشوق للانجاب وحُرمنا القدر من الانجاب عدة سنوات تذوقنا فيها مرارة اللالسنة الطاعنة في كوني عاقر لم أنجب ، وحملي بعاصم جاء في وقت عصيب ، حينها اقسمنا بأن نلبي له كل احتياجتها ، لن ندعه يعتمد على نفسه ،كُنا نفعل له كل شيء ، دللناه وتركناه دون رقيب عندما نضج ودلف لمرحلة الجامعة ، حتى عند علمنا بحقيقة أدمانه ماذا فعلنا بحق الجحيم
- أنهلت عليه ضربًا واخذته بالقوة والقيت به داخل مصحة لمدة عام كامل ولم نلتقي به إلا من خلف الابواب ، كنا نسترقي النظر اليه دون أن يشعر بنا ، حرمناه من الوقوف جانبه لكي يصمد ويقاوم ويتعافى ، فعلنا كل ما نستطيع فعله من أجل مصلحته
- لا كنا نعاقبه دون أن نعاقب انفسنا ، نحن المخطئين في التدليل وفي عدم تكوين شخصيته ، وفي معالجة الامور بالطريقة الخاطئة ، كان علينا أن نعاقب أنفسنا بعدم رؤيته أفضل ، لكننا حرمناه وجودنا لعام كامل ولذلك عند عودة للمنزل تمرد علينا وظل في طريقه ، خدعنا بانه تعافى وكنا نعلم ذلك وصمتنا من أجل وجوده فقط جانبًا ، حتى عندما أخبرنا بانه يريد الزواج فرحنا لانه سوف يصبح له عائلة وظننا بأنه سيبتعد عن السموم ولم نخبر زوجته بحقيقة ادمانه ، لقد ظلمناه وظلمنا الفتاة ودفع الثمن الطفل الصغير
- ماذا نفعل الان؟ لقد أنتهى كل شيء ودُمرت العائلة بأكملها.
- أفعل شيء أخير وأنقذه من حبل المشنقة.
- ليس بوسعي فعل شيء آخر إلا أن أجلب له محامي يترافع عنه أمام المحكمة.
هكذا أنتهى بهم الحال ،يشعرون بالتيه والضياع ، فقد قضى ابنهم على الاخضر واليابس وقادهم إلى مصير معدوم ، داخلهم حِطام ،مُكبلين الايدي ،لن يملكون قدرة على نجاة وحيدهم من مصيرة الذي ينتظره ..
❈-❈-❈
داخل سرايا النيابة .
أشرق الصباح نابذا عنه لباسه، وإذ أنتشرت أول خطوط ضوئه سار مكبل الايدين بالاوصاد منساقًا من قبل العسكري متوجهين معًا إلى سرايا النيابة ليتم التحقيق معه في واقعة وفاة طفله ذا الثلاث أعوام .
سار جانبه صامتًا ، شاردًا كالمغيب لا يعي ما حولها، عندما ولج به العسكري مُستأذنَا دلوف مكتب وكيل النائب العام وأذن له الاخير بالولوج ، حل العسكري الافصاد الحديديه القابضة على رسغيه ثم أجلسه أمام ممثل النيابة ،طالعه عاصم بتيه ليتحدث وكيل النيابة ببدء التحقيق هاتفًا وهو ينظر لكاتب النيابة الذي يجلس جواره يدون التحقيقات:
-دون كل ما يتم داخل التحقيق
أجابه بايماءة من رأسه وأمسك بالقلم وهو ينصت بأهتمام .
أما عن وكيل النيابة بدء حديثه قائلا:
- أسمك وكم عمرك؟
لم يجيبه عاصم الجالس أمامه بشرود بهيئته المضطربة ونظرات عيناه الشاردة في الفراغ ، يحك بكفيه ثم يرفع كفه الايمن يحك خلف عنقه بحركة سريعة كما أن قدميه تهتز برجفة ملحوظة ، دقق الوكيل بوجه الاصفر الشاحب وجسده الهزيل الذي اصبح يهتز كأنه صعق بالكهرباء ، حك عاصم ساعده اثر وخزات الحقن المدمنه والالم بدء يتسلل لجميع أوصاله ، جسده لحاجة لجرعته المخدرة ، تصبب بالعرق وجف حلقه ثم وضع انامل كفه الايسر يقضمها بقوه اسفل أسنانه ، الالم يفتك به ، يكاد يقتله بالبطيء
لم يشفق وكيل النيابة على حالته تلك لان علم بسبب هذه المخدرات التي تسري في جسد عاصم قُتل الصغير بسبب غياب عقله ، كيف لوالد مثله أن يحتسي السموم في منزله امام أطفاله ولكن هيهات فكل من أقدم على هذه المخدرات دمر حياته وحياة عائلته بأكملها وهذا ما يجده أمامه الأن .
صرخ بصوت غاضب لكي ينتبه إليه عاصم وطرق بقبضة يده أعلى مكتبه لكي ينظر له :
- قولت لك ما أسمك وكم عمرك إلا تسمعني؟
انتبه عاصم أخيرا لوجوده وفتح شفتيه المرتجفتين قائلا بصوت متقطع :
- عاصم محمد الجوهري، عمري .. عمري، ثلاثة وثلاثين عام
زفر بضيق ثم هتف قائلا بتساءل:
- وما هو قولك فيما قاله الطبيب الذي فحص الطفل "يوسف عاصم " وان سبب الوفاة جرعة من مخدر الهيروين أدت إلى أختناق الصغير وتوقف عضلة القلب
ازدادت رجفة جسده وعلت أنفاسه اللاهثة وهز رأسه بالايماءات المتكررة
- أجل ، هذا حدث لطفلي ، وأنا المتسبب في ذلك ، أنا مُعترف بقتل يوسف ، أنا أستحق اشد العقاب
ورفع كفيه وظل يسدد ضربات متكررة على رأسه ويقول صارخًا :
- أنا القاتل ، قاتل طفلي ، أنا الجاني ،أقتص مني ، لا اريد العيش بعد ما حدث لطفلي ، لن أستحق الحياة
ظل يصرخ ويضرب براسه وجسده يرتجف بقوة ليسقط أرضًا يتلوى بجسده صارخًا بأعلى طبقات صوته مستغيثًا من نوبات الالم التي تعصر باوردته وعيناه محمرتين بوهج ناري ، كانه يصارع جني أحتل جسده الهزيل ،الضعيف ،الشاحب ، هكذا فعل به المخدر ، أوصله لطريق مغلق ، طريق الهلاك ، طريق اللا عودة
، الان جسده الضعيف يطالبه بحاجته للمخدر اللعين الذي افقده عقله وصوابه وحياة صغيره..
الأنسان هش، ضعيف، قوة خفية هي المُتحكمة به، قوة العقل والثبات ، إذ ضاع العقل فقد كل شيء ولم يكن لديه قدرة على التفكير بصواب ، خسر العقد فهزل الجسد وفقد الروح تباعًا ...
هتف وكيل النيابة قائلا وهو ينظر للكاتب :
- أمرنا نحن وكيل النائب العام بحبس المتهم ،عاصم الجوهري أربعة أيام على ذمة التحقيق كما يراعى التجديد في موعده
دلف في ذلك الوقت المحامي الخاص بالمتهم وأعطى وكيل النيابه تقريرا طبيبًا عن حالة عاصم الصحية وأنه بحاجة إلى وضعه بمصحة نفسيه لتقيم حالة عقله وجسده
أمر وكيل النائب العام بوضع عاصم داخل المصحة النفسية والعقليه وتقريرا مفصلا عن حالته خلال أيام .
❈-❈-❈
أثناء وجودها داخل المقابر لحضور عزاء خاص بإحدى رفقاءها داخل مكتب المحاماة التي تعمل به، لفت نظرها تلك الفتاة النائمة أمام قبر ما، مُرتدية الثياب السوداء وتحرك شفتيها كأنها تتحدث مع أحد أمامها، تارة تبتسم وتارة تنهمر دموعها كالشلال، أشفقت المحامية "جبران" على حالة هذه الفتاة وبعد أن انتهى العزاء داخل المقابر، صافحة صديقتها مودعة اياها لتتوجه إلى تلك الفتاة لتعلم منها ما سبب وجودها بهذا الوضع المُئزر أمام القبر ومن هذا الشخص الذي فقدته ومُتأثره بفراقه بهذا الشكل الواضح للعنان..
سارت بخطواتها المتهادئة تقترب منها رويدًا رويدَا، إلى أن وقفت على مقربه منها، أستمتعت لصوت آنينها المكتوم وبكاءها الحارق للروح، بكت على صوت صراخاتها المكلومة وهي تنادي صغيرها، علمت حينها بأن الفاجعة على طفلها الصغير، تقدمت منها وجلست بجوارها، رتبت على ذراعها المنهدل جوارها تواسيها فجعتها في فراق فلذة كبدها.
رفعت "أميرة" حدقتيها العسليتين التي أنطفت وميضها اللامع لترا فتاة تقربها عمرًا وترتدي بذلة سوداء وتواري شعرها بحجاب أسود أيضًا.
حاولت "جبران" التبسم لها وهي تخبرها عن أسمها:
- أنا جبران محامية وكنت هُنا في عزاء صديقة لي، فقدت والدتها، وجدتك وحيدة تبكين ونائمة بهذا المكان، أتيت لاتحدث معكِ، بالتأكيد لديك شيء دفين يثقل صدرك وتريدين البوح عنه ، انهضي وتحدثي معي فأنا مثل شقيقتك وسأكون مستمعة جيدة لكِ
مدت جبران يدها لتلتقف بكف أميرة التي تقبلت عرضها فهي بحاجة لشخص يستمع لها ويشعر بما تشعر به، نهضت جالسة جانبها، تبسمت لها جبران وظلت تربت على ظهرها بحنو مثلما تفعل الام بطفلها لتهدهده من نوبات الصراخ والبكاء.
وجدت بها أميرة طوق نجاة بعدما علمت بأنها محامية، فسوف تساعدها على جلب حق طفلها من والده الذي قتله وقطف زهرة عمرها على حين غفلة.
سردت لها أميرة كل ما تكنه داخل صدرها من ألم وحزن وفقد وفراق، قصت عليها منذ أن توفت والدتها وتزوج والدها باخرى، وكم عانت بحياتها وهي تشعر نفسها غريبة عن منزلها وأخرى تشاركها حب والدها ولم تكن سيدة حانية ولكن ليس بوالدها فعل شيء فقد كان حاني عليها وتحمل فقط زوجته السليطة، القاسية من أجل طفله الاخر ومرت بهم الأعوام وتوفى والدها وتبدلت حياتها تمامًا، إلى أن انتهى بها الحال بالزواج من صديق عملها الذي أحبته بل عشقته وظنت بأن الحياة تعود تبتسم لها ولكن كانت مخطئة فتوالت عليها الصدمات والصراعات ووجدت نفسها وحيدة كما كانت، تعرضت للضرب والإهانة والاستسلام لوجود زوج مدمن داخل منزلها، زوج مغيب عقله لم يشاركها ابسط حقوقها بأن يكون جانبها وسندها في الحياة، ولولا طفلها التي تحملت من أجله الكثير لكانت في تعداد الأموات، ولكنها فقدت طفلها بدلا من أن تفقد حياتها وكل ذلك حدث في غره، في لحظة انهمر المنزل رأسًا على عقب، تحطمت حوائطه الزجاجية، الهشة، وتعرت روحها ولم يعد يسترها شيء تلحفت بسواد الموت بعدما أحتضن التُراب جسد صغيرها، أنفطر قلبها وتمزق إلى أشلاء متناثرة في كل حدب، هوى عقلها لم تعد تريد إلا البقاء بجوار قبره إلى أن يحين اللقاء الأبدي، السعادة الحقيقية في قربه ورؤيته في جنة النعيم، هنا تسكن حياتها المقابر، عند أقدام طفلها تسكن روحها المُعذبة بفراقه، متى يحين اللقاء.
تساءلت بعيون دامعة ونظرات خاوية، ضمتها "جبران" داخل أحضانها، طوقتها بحنانها وأنسابت دموعها على هذه الفتاة البائسة، المسكينة، التائهة في ديجر الحياة، تلاطمها الأمواج وتعصف بها الرياح الثائرة هُنا وهُناك
إلي أن أسقطتها في بحر اليأس والضياع .
❈-❈-❈
وعدتها "جبران" بآلا تتخلى عنها ، ستظل معها إلى أن تاتي بحقها وحق طفلها، واقنعتها بترك المقابر والعودة لشقتها وستتردد عليها ومن اليوم هي مثابة شقيقتها ومنذ تلك اللحظة ونشبت بينهما ثقة ومحبة وصداقة وتوطدت العلاقة والزيارات بينهما وظلت جبران جوارها تدعمها على اكمال حياتها العملية من أجل طفلها ،لن تدع اليأس والجنون يسلب عقلها وسوف تحررها من رابط الزواج الذي جمعها بهذا المدمن وبالفعل تم رفع قضية طلاق وسوف يساعدها الادمان والاهمال والضرر الذي وقع على صغيرها في تطليقها من أول جلسة ولن تتغافل عن حق "يوسف" لن تهدر في حقه وسيدفع والده ثمن ما تسبب له وتوفى الصغير بسبب أهماله وعدم تحمله المسئولية ودفع بابنه إلى الهاوية لتنهار جميع الحصون ..
بعد مرور شهرين ..
خضع "عاصم" للعلاج داخل المصحة ، كما اثبت تقرير الطبيب المعالج له بانه يعاني صدمة وفاة طفله ،اصبح شاردًا لن يتحدث نهائيًا كأنه فقد النطق ، ويتماثل جسده في الشفاء من الادمان .
وأستغل المحامي الخاص به تلك النقطة في أثبات بانه ضحية للادمان وفي حالة صدمة عصبية منذ وفاة صغيره ولم يكن قاصدًا ما حدث لطفله ، كل هذا حدث قضاءً وقدر، غير مُخطط له ، فمن الصعب أن يقتل الاب طفله وحدث هذا سوء أهمال منه ويطالب بتوقيع عقوبة مخففة رأفتًا بحالته الصحية والنفسية وهذا ما ادل به في أول جلسات القضية وتم تأجيلها لجلسة النطق بالحكم ..
❈-❈-❈
يوم المحاكمة ..
وقف عاصم خلف القضبان بنظرات تائهة ووجه حزينًا خلى منه معالم الوسامة التي تميز بها ، كما انطفى بريق عينيه الخضرويتين وشحبت بشرته البيضاء وصارت صفراء أثر الأعياء، دار بمقلتيه داخل قاعة المحكمة بين الحضور عيناه تبحث عن ضالتها ، تشتاق مقلتيه لمعانقة عسليتيها الصافيتين وأحتضان وجهها بلهفة ، يُريد الاطمئنان عليها ، فمنذ ذاك اليوم المشئوم الذي فقد به طفله لم يلتقي بها، حتى أنها لم تحضر أولى جلسات المحكمة وعلم من محاميه بأنها اقامة دعوة طلاق لكي تنهي علاقتهما للابد ، فبعد فراق الصغير لم يكن يربطهما شيئًا بعد ...
ولجت "أميرة " قاعة المحكمة برفقة المحامية "جبران" التي امسكت بيدها كأنها تمدها بالقوة والثبات عند المواجهة .
سارت قشعريرة ببدنه عندما رأها تدلف من قاعة المحكمة متلحفة بالثياب السوداء وتواري عسلتيها خلف النظارة السوداء التي تغطي نصف ملامح وجهها البريء وتحجب الرؤية عن ساحرتيها الجميلة، زادت نبضات هذا الخافق داخل صدره ود لو يركض إليها ليعانقها عانقًا ملتحمًا يبث لها مدا شوقه وحنينه ، مدا لهفتة لقربها ، يود لو تعانق الاجساد وتلتحم الارواح ثانيًا ، يود أن يعتذر ويطالبها بالغفران والسماح وأن تعود ثانيًا تنتمي له مثل سابق وأن يضمر جراح الماضٍ، سيكون شابًا أخر ، سيعوضها كل ما مرت به من حزن ، سيطوي صفحة الماضي الاليم من أجلها ، يود لو أعطته فرصة أخيرة .
جلست "أميرة " دون التطلع إليه ، فقط تستمع لصوت القاضي الذي يعلن عن بدء الجلسة ويطالب من الدفاع بالحق المدني مرافعته ..
وقفت "جبران" بشموخ امام هيئة القضاء وبدءت في مرافعتها التي زلزلت أرجاء القاعة وعم الصمت والسكون داخلها ..
بسم الله الرحمن الرحيم
ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب.
صدق الله العظيم
نحن اليوم أمام قضية غريبة من نوعها، قضية تحبس الأنفاس من هول ما فعله المتهم بضحيته، المتهم اليوم ليس شخصًا غريبًا عن ضحيته وإنما هو الوالد نفسه، بسبب استهتار هذا الاب الماثل أمامكم، مدمن المخدرات وتحديدًا مادة "الهيروين" التي تفقده عقله ويحتسي هذا السم داخل منزل الزوجية أمام اعين صغيره ذا الثلاث أعوام، فقد الصغير حياته عندما اقدم على فعل ما كان يفعله والده دون اكتراث بمن حوله، تغيب عقله ودفع فلذة كبده ثمن اهمالة، هذا الاب عارًا على الأبوه، فالاب هو العمود الفقري للعائلة، هو السند والأمان ولكنه تجرد من كل مشاعر الابوه وسولت له نفسه بقتل طفله عمدًا ومع سبق الاصرار والترصد، فكل ما فعله داخل منزله وفي وجود زوجته وطفله، هذا يعتبر عمدًا ليس مجرد خطأ، لانه قبل أن يقدم على أدمانه فهو واعيَا تمامًا بأنه يتناول هذا السم اللعين داخل شقته متأكدًا وعلى علم بأن واردًا أن يراه طفله ويُقلده فهذه الأطفال في هذا العمر يقلدون أباءهم، فإذا المؤدة سؤلت بأي ذنب قُتلت، وصعدت روحه إلى باريه، بأي ذنب ارتكبه الصغير لكي يُلاق حتفه على يد والده،
يصرخ الطفل مكلوم، مهموم يتحدث بنفس مصدوم وفؤاد ممزق مفطور، وينادي لماذا يا أبي هل ضاق صدرك بطفلك لن يعد لي بداخلك مكان، لما يا أبي تعجلت قدرًا سيأتي ونسجت بيديك الاكفان، يا أبي كنت ارجو ان تكمل معي طريقي في الحياة وكنت ارجو أن أكون رفيق عمرك، كم تمنيت أن تكون عزي وعزوتي، فقطفت بيدك اخر أوراق عمري، أاتعبك أمري حيًا يا أبي فسقتني إلى الموت، فهل وجدت النعيم بعدي؟
هذا هو جزء من حال الطفل الذي يثتغيث الله فيما فعله الاب القاتل، شاكيًا بثه وحزنه إلى الله.
اسمحو لي سيدي الرئيس بأن نعود إلى القضية، هيئة المحكمة الموقرة تدور ما شابه ذلك من وقائع منذ أن غابت المبادى والقيم عن حياتنا، و تدهورت الأخلاق ويعود هذا كله للتقويم والتربية الأسرية منذ البداية فهل تغافل الاب عن تقويم طفله واين قدمت الأسرة من تربية وسلوك وأخلاق لكي نقف اليوم في موقفًا كهذا، كل ذلك يحدث اليوم بسبب النشأةُ ، اقسم لو كان الامر بيدي لطالبت المسئولين عن هذا وهم الوالدين اللذين أودوا بابنهم إلي طريق التهلكة ولم يردعونه عن ما كان يفعله ،هل تغافلوا حقًا وتركوه يواجه مصيره دون النصح والارشاد ومعاودة تقويمه ثانيًا ، أم تظاهروا بأنهم لم يدركون تغير حاله ولجوءه لهذا السُم المغيب لعقله، عُذرا سيدي القاضي إذ كنت خرجت عن لُب القضية ولكن كل ذلك عوامل أدت إلي وقفتنا اليوم في ساحة القضاء العادل .
وفي نهاية مرافعتي أطالب بتوقيع أقصى العقوبة على هذا الاب ولا تأخذكم به شفقة أو رحمة واناشدكم بالحكم العادل الذي يستحقه هذا المجرم لكي يكون عبرة لمن سولت له نفسه بتلك الأفعال الاجرامية في حق عائلته واخيرا اناشد عدالتكم بأن تنظرون بروح القانون لهذه الأم المكلومة التي خسرت طفلها، وحيدها التي لم تملك من الدنيا سواه بأن تطيب جراح قلبها بحكم يثلج صدرها ويجبر كسرها ويلملم روحها الشريدة بعد فراق زهرة شبابها وفرحة عمرها، وشكرا سيدي الرئيس..
عادت تجلس مكانها بعد تلك المرافعة تنتظر النطق بالحكم النهائي .
هتف القاضي قائلا بصوته الجلي وهو ينظر للقابع خلف القضبان:
- والله لو كان الأمر بيدي لم يكفيني فيك إلا الاعدام شنقًا بسبب ما اقترفته من فعل خس دنيء راح ضحيته طفلا لا حول له ولا قوة، دفع ثمن غياب عقل والده وهدم آسرة بأكملها أم مكلومة منفطر قلبها على ولدها صغيرها ، روح فوادها، زج بطفله في غياب عقله وغياب دينه لكي يركض خلف نزواته ولذاته اودت بغياب عقله بسبب ادمانه المخدرات، ولكن نفذ امر الله .
إذا بعد الاطلاع على اوراق القضية، حكمت المحكمة وبالإجماع على مُعاقبة المتهم "عاصم محمد الجوهري " بالسجن المشدد لمدة عشرة أعوام ولذلك لاثبات واقعة مقتل الطفل يوسف بسبب أهمال أدى إلى وفاته ، رُفعت الجلسة ...
تمت .

تعليقات
إرسال تعليق