سلاح هذا العصر فاطمه الألفي

"سلاح هذا العصر"

فاطمة الالفي

عندما تطغي الشهوة على الضمير يموت الهدف وتنبت بدلا منه الرغبة.

فالرغبة دائما مشحونة بالفوضى والتهور والإندفاع لإشباعها والوصول إليها؛ وقتها يُدفن الضمير ويتنحى الهدف جانبا، ويصبح المستقبل هو الضحية...

❈-❈-❈


إستقلت بسيارتها تقودها إلى  حيث وجهتها ،جلست خلف عجلة الوقود مرتدية النظارة الشمسية لكي تقيها قيظ الشمس في ذاك الوقت ، تتطلع للطريق أمامها بفكر شارد، فقد مرت لمحات من الماضي البعيد بمُخيلتها مرًا سريعًا، فاختلط في وعيها أشتاتًا من ذكريات متناثرة ومشاعر مهوشة، ثم نفضت ذلك عن رأسها التي تعج بالأفكار وصوبت تركيزها على الطريق لتصل إلى هدفها في تلك القضية التي توغلت داخل سراديب عقلها .

منما جعلها تتخذ قرارًا بالذهاب لمقابلة المتهم ومعرفة الدافع الذي أودى به لأرتكابه هذه الجريمة الشنعاء التي تقشعر لها الأبدان،  فهذه القضية ليست كسابقها، ينتابها تلك المرة الشعور بالقلق وغصة مريرة داخل صدرها  بسبب تذكرها لأحداث مشابهة مرت بها و لم يمحوها  الزمن.

"فالذكريات المؤلمة تظل عالقة بالأذهان مهما ولت الأعوام "

عليها الأن تولي زِمام الأمور، فلا سبيل أمامها للتراجع، عليها سماع المتهم والإنصات له لكي يبوح لها بكل ما في جوبعته، ومعرفة ما حدث معه، فهي تشعر بأنه لا زال يخفي داخله الكثير ولم يصفح عنه بعد،  لكي يطمئن قلبها في أكمالها ام التنحي عنها...


❈-❈-❈

منزوي على نفسه بركن قصي داخل زنزانة حالكة الظلام، ذات رائحة كريهة، عفنة، لم يدخُلها شعاعًا من الضوء أو حتى من أشعة الشمس التي تتسلل بدفئها فقد كانت ضيقة خانقة الجدران، قابضة على قفصه الصدري تكاد تخترق أضلعة، فلم يعد لديه قدرة على التنفس، يصدر أنفاسًا لاهثة رغم جلسة القرفصاء بالزاوية ويضم ساقيه إليه ويتوقهما بذراعيه وبؤبؤى عينيه يحدق في الفراغ.

صوت صرير باب الزنزانة يُفتح ويطل من خلفه العسكري، دلف لداخل بخطوات واسعة قابضًا على ذراعه ،صارخَا بوجهه بأن ينهض معه تنفيذًا لأوامر كُلف بها من قِبل ضابط المباحث، كبل كفيه بالأفصاد الحديدية وساقهُ إلى حيث مكتب التحقيقات فقد كانت "جبران" تجلس في أنتظار قدوم موكلها للحديث معه ..

ولج العسكري وهو يؤدي التحية العسكرية للضابط الجالس بوقار خلف مكتبه قائلا:

- المتهم يا أفندم.

أشار له الضابط بالمغادرة ثم أستقام من جلسته وهو ينظر لجبران متمتمًا:

- ساترككِ تتحدثين بعض الوقت مع موكلكِ.

طالعته بأمتنان وهي تهتف بشكر على حسن تفهمه وحينئذ غادر ضابط المباحث الغرفة ، ألقت النظر على  ذاك  الشاب الثلاثيني الماثل أمامها وتفحصته من رأسه إلى أخمض قدميه، رمقها هو أيضا بنظرة شمولية وعدم فهم لسبب وجود فتاة مثلها بهذا المكان 

حدقت جبران داخل وجهه الذي شحب كالأموات و تلاقت العينان في نظرات دقيقة تستشفي من خلالها لغة جسده مرورًا بجبينه المعقود وعيناه التي تحاطهما البرود وجفنين متورمين، يبدو عليه السهر ، فقد جفاه النوم داخل الزنزانة.

رمقها بنظرات شاخصه وارتسمت إبتسامة سمجة على محياه تخبرها بأنه شخص لا يُبالي لأحد ، كل هذه الإيحاءات  توحي بالكثير ولكنها تبسمت له بهدوء قائلة :

- المحامية "جبران صالح" اتيت من أجل الدفاع عنك. 

- ضيق ما بين حاجبيه و زم فاه بتسأل :

- من الذي وكلكِ  لتتولي الدفاع عني ؟

أجابته بجدية:

- زوجتك. 

طالعها مندهشًا ،فلم يتوقع ذلك من زوجته بعد ما حدث بينهما.

همست له بمهنية رتيبة:

- أجلس لكي نتحدث بكل ما حدث معك ،أنا هُنا من أجلك، سوف أستمع لك دون مقاطعة

هتف ساخرًا:

- وهل لديكِ وقت للأستماع؟ 

ردت برتونية عملية:

- بالطبع ،هيا أخبرني بكل ما تريده.

جلس بلامبالاة وعقب قائلا:

-سوف أسرد عليكِ السبب الذي جعلني هُنا، أنا هُنا بسبب أفعال والدي، لا أفعالي أنا 

لمعت عينيها ونطقت بجدية وهي تصوب أنظارها عليه بأهتمام :

- احكي عن كل شيء ولا تخشى وجودي فأنا أتيت من أجلك فقط.  

خرج صوته مختتقَا وبدء في سرد قصته على مسامعها وهو يسترجع ذكريات مر بها منذ طفولته:

أصوات مريبة تلاحق عقلي الصغير، ارتجف جسدي وانزويت بركن الغرفة خائفًا من وقع قدوم خطوات والدي ، لم أفعل شيء ولكن أخترق أذني صوت شجار قوي يحدث خارج غرفتي ،رفعت كفاي الصغيرتين وصممت أذاني لكي لا استمع ما يدور بالخارج وجسدي يرتجف، وحدقيتين تطالع باب غرفتي الذي سيفتح بين فنية وأخرى، جف حلقي وارتعدت أوصالي ، تيبست كأنني لم أعد أشعر بأطرافي ، انفتح الباب على مصراعيه ودلف والدي ذى البنيان الضخم، صارخًا مناديا بأسمي وأنا منزوي بالزاوية وعيناه السوداوي تتوهج بغضب تجوب بالغرفة بحثًا عن فريسته، تقدم بخطوات مئتدة كلما خطى خطوة يدب الرعب بخافقي الذي ينبض بصخب، وشحبت بشرتي البيضاء وانكمش جسدي الضئيل وأنا التصق بالجدارن لكي تحميني من بطش والدي ، سحب الحِزام من أعلى سرواله الأسود القماشي وأنهال عليَّ ضربًا ،وسبًا ،وتوبيخًا بسبب شيء أجهلهُ، كلما غضب ياتي إليَّ ويصب نوبة جنونة عليَّ وحدي، لم يهتم بصراخي ولا بمحاولة أستغاثتي بوالدتي ، فقد خذلتني مثلما تفعل كل مرة يقترب مني بثورة هياج وغضب ،ثم يتركني مبلل سروالي من شدة خوفي وفزعي بما يفعله، وعيناي الصغيرتين تنهمر منهما شلالات من الدموع ولم أستطع يومها الحراك فأنام مكاني متقوقع على نفسي ،أضُم سقاي الهزيلتين إلى صدري مستمدًا ما فقدته من إحتواء وشعورًا بالأمان الذي كنت بحاجته ، حتى والدتي تخلت عن صغيرها ولم تستطيع إمناع والدي والوقوف في وجهه من أجلي، ولا أعلم أي ذنب أو جُرم أرتكبته وأنذاك كنت بعامي السادس ،لم أعي شيئًا حولي ، ومن يومها  وتوافدت عليَّ الضربات ولم أستطع التصدي له، كنت أشعر بالراحه لغيابة، وألتاع خوفًا لمجرد سماع صوته أو تخيل كيف سأكون معه منفردًا بنفس الغرفة، لم أستطع كبت فزعي كلما شعرت باقترابه مني وعن التأثير السيء الذي تركه داخلي و أفسد كل ذكرياتي كطفل مفعم بالحيوية ، طفل يلهو ويلعب ويمرح ، حُرمت حتى من أن أكون طفلا مثل باقي الأطفال

، لقد قضيت طفولتي مهملا، مهمشًا، لم يشعر بي أحد، منبوذًا من عائلتي، يهتمون بشقيقي الأكبر وتغافلوا عن الاهتمام بي، قضيت حياة ضائعةَ، تائهة، حبيس لجدران غرفتي الصغيرة التي كانت تحتويني ،الحائط الذي كان يضم جسدي بدلا عن أمي، حُرمت من أحضانها وتربت كفها على كتفي الهزيل ، تمنيت كثيرًا أن تاتي لي ليلا دون أن يشعر بها والدي لتواسي حزني وتمحي دموعي المنسابة كالانهار التي لا تجف، كل ليلة أنتظرها بعيون تبرق متلهفة لرؤياها ولكنها سلبت مني هذا الحق أيضا، اتذكر كلما أخطا شقيقي أنال أنا العقاب، طفولة قاسية ،لا اعلم ماذا جنيت لانال كل هذا الكره من عائلتي ، وحرماني من شتً مُتع الحياة لطفل في عمري، نَشِبَ داخلي حريق مُستعر ،بركان من الغضب ولكنه لا يحرق سويً ، وحش ظل ينمو داخل سراديب عقلي الضيقة يوما بعد يوم ،ينخر في روحي الشريدة ،البائسة ،لم احس لحظة بانتمائي لهذا المنزل ، ودائما ينتابني شعورًا بالغرابة وسط أهلي ،فكيف لوالدي أن يعاملوا صغيرهم بهذا العنف الذي ترك آثره على كل خلايا جسدي الضئيل وعلى نفسي المُعذبة، كأنني لم أُنجب من رحم هذه الام ولكن كانت ولادتي  الحقيقية من رحم المعاناة وقسوة الايام ، عند هذا الحد تمكنت مني الضغينة والحقد على شقيقي الذي كان ينال حظه الوافر من الحب والحنان والسعادة والحياة المرفهة الرغدة ،ويترك لي نصيبه بجانب نصيبي من البؤس والشقاء والعذاب الذي لا ينتهي، وحينذاك تملك الكره داخلي، ولم تخمد نيران الانتقام التي تلتهم جسدي وقررت الخلاص من شقيقي ، لعل والداي يشعرون بوجودي، كُنت أراقب والدتي وهي تضع سُم الفئران لكي تقضي عليهم من نافذة المطبخ وينالوا الفئران مصرعهما على أثر ذلك السُم، دفعني هذا المشهد وراودني وقتئذ فكرة الخلاص من شقيقي ولكن لم استطع القيام بذلك، فشلت في الأنتقام منه وأجتاحني الشعور بالخيبة والقنوط وتمكن اليأس مني مستسلمًا  لهذا المصير الخاضع ، مُتحملا  العذاب وحدي ، واقعًا مريرًا قبلت به رغما عني ، أنطوي لوحدتي وعدت لعزلتي وأنا اتلاشى وجود أخي، وصببت إهتمامي على دراستي ولم يعد جسدي يتألم فقد سأم الأحساس والشعور بالسواط وهو ينهال عليَّ ،أصبح الألم جزءً من حياتي قبلته طوعًا لأنه قدري الذي لم أستطع تغيره ، ولكن كان كرهي لهذا الشخص يزداد كلما ازداد عمري ،تفوقت في دراستي لكي أثبت له بأنني لست شابَا طائشا ولا متهورًا، كُنت أُحاول ألا أُخطئ لكي لا أنال عقابً فوق عقابي الذي يلحق بي كل ليلة ، ورغم كل نجاحاتي يسخر مني وينسب ما أنا فيه لنفسه بأنه هو سبب تفوقي وهو الذي صنع مني رجُلا ، وذلك يوقد نيران الغضب التي أخمدتها داخل صدري ،كُنت اكتم غيظي لكي أحصل على المال لأكمال دراستي؛ لأنه ذات يوم هددني بأن يحرمني من التعليم بسبب شجار مُفتعل من شقيقي، فقد كان فاشلا دراسيًا، حينذاك أنحنيت على قدم أبي أقبلها وأبكي برجاء متوسلا بألا يحرمني من الشيء الوحيد الذى أحبه، أحسست بالظلم القاهر ومهانة لم أذقها من قبل وأنا عند قدميه باكيًا وهو يدفع وجهي بعيدًا عنه ، وأخي يقف ضاحكًا على ذاك المشهد الذي لا يُفارق مخيلتي طوال حياتي، كأن أبي متلذذًا بعذابي وتوسلي وإلحاحي المستمر، لم يشفق عليَّ سوا تدخل والدتي بالأمر لكي يدعني وشأني، ومن يومها وعدته بأن أكون لهم خادمًا، مطيعَا، أنفذ لهم كل رغباتهم بخضوع وخنوع واذلال  مقابل أن أحصل على شهادتي، وضعت هدف تفوقي أمام ناظري لكي أتحرر من قيود هذا السجن ، دراستي هي الشيء الوحيد الذي جعلني على قيد الحياة ، أقبلت على الحياة دون خوف من أي شخص فلم يشعرون بي من الأساس، ولكن الوحش الساكن بعقلي كان دائما مُستيقظًا واعيًا على أمل الفرار من هذا المنزل الذي ابغضه والقيت بنفسي في دوامة المذاكرة ونسجت أحلامًا أردت تحقيقها  ، وأنسقت وراء عالم الجامعة والأحلام التي تنتظرني ، إلى أن دق قلبي بصخب لفتاة أحببتها وأدمنت وجودها في حياتي ، طوق نجاة، جلبت لي السعادة ولاول مرة أشعر كوني شابًا عاشقًا، مُقبلا على الحياة مثل الطائر الذى يُحلق في سماء الحرية وينشد أعذب الألحان  ولكني أستيقظت من أحلامي الوردية على صفيح الهاوية ، وقزفت من أعلى جبال الحب الواهية، بعد أن أغرقتني في بحور عشقها، ونسيت أنني لم أُجيد السباحة  وغوصت في القاع وتسرب كل شيء من بين يدي كحبات الرمال المتناثرة في الهواء، إنذاك أخبرت والدي برغبتي في الأرتباط ، سخر مني ، وحطم ما تبقى من روحي الضائعة ، كسر خاطري ودعس بكبريائي الجريح ووجدت نفسي غير قادرًا على خوض تلك الحرب الخاسرة فلم أستمد قوتي بعد وكنت شابًا في السنة الأخيرة من الجامعة، وحرمني أبي من محبوبتي ولم أستطع الوقوف أمامه ومطالبته بأبسط حقوقي، وتركني أتخبط بين جنبات ضعفي.

وجريت بي الأيام كمجرى الريح ووجدت نفسي وحيدًا كما كُنت،مطرودًا من جنة الحُب ومن سجن والدي الذي لم أحزن على  فراقه، رقص قلبي وقرعت الطبول داخله، وتنفست الهواء النقي خارج أغلال أبي التي كُنت مُقيد بها، شعرت بالحرية ولأول مرة أستطعت التنفس دون خنقة وجوده، ولكن لم أخفي عليكِ كنت أتمنى الأنتقام منه بنفسي وأجعله يتجرع من نفس كأس المرارة والذل الذي أذاقني اياه ، أنتابني حالة من الأضطراب خليط بين السعادة والحزن ، سعيدَا على تحرري من تحت قبضة ذاك الرجل الظالم  وحزني على عدم الثأر ، وذلك جعلني ناقم على حياتي ولم يدخل قلبي شعور بالفرح ، ترك ذلك داخلي بأني شخص لا قيمة له في هذه الدنيا الغادرة، دائما لدي شعور  على الرغم من كون أسمي أكمل، ولكني حُرمت من كل شيء، من طفولتي ،ومراهقتي ، وحتى من محبوبتي التي لم أتمنى سواها ولم أعش شبابي كأي شاب في عمري ،  لماذا لم يكن لدي نصيبا من أسمي كما يدعون البعض ؟

"ثم بعد تخرجي بسنوات "

عملت مُدرسًا بإحدى المدارس الخاصة للفتيات وقررت الزَواج أخيرا من أجل الأستقرار وطي صفحات الماضي، ولكن لم أذق طعم السعادة قط بهذه الحياة الخادعة، زوج وزوجة وفيما بعد أنجاب الاولاد لكي تزدهر العائلة وتعم السعادة ولكن كل ذلك أشعار كاذبة لا صحة لها ،لما أنجب أطفال يعانون كما عانيت على مدار عمري ، من طفولتي لشبابي ،ظلت عقدة أبي تلاحقني  وتطبق على عُنقي تكاد تزهق بروحي طوال الوقت ولم أستطيع التحرر منها حتى بعد فراقه عن الدنيا ، ولم أستطع  القيام بعلاقتي الزوجية مع زوجتي ، تشتت عقلي وسأمت واقعي وندمت على تلك الخطوة وكلما حاولت التقرب إليها والأنجذاب أرى ضعفي وخيبتي الذي تركته لعنة والدي ، كأنه أقسم على تعذيبي حتى وأن لم يعد بهذا العالم ، حاولت كثيرًا  ولكن نظراتها كانت تنهش قلبي ، أشفقت عليها من حالتي تلك ولكن شعور بالعلاقة وأنجاب أطفال ،كانت عقدتي الأكبر ، لا أود أن تاتي أطفال وتمر وتعاني وتقاسي كما قاسيت ، أخشى على أولادي من مرارة العيش، أخبرتني زوجتي ذات يوم بأن عليَّ الذهاب لطبيب ليجد لي علاجًا ولكني صرخت بوجهها وهكذا دائما كنت أحاول تعنيفها وأحس بقوتي أمامها لكي أخفي معاناة الماضٍ ، خوفَا من أظهار ضعفي الساكن داخلي  و التي كانت على دراية به .


أتذكر ذلك اليوم جيدًا أنذاك كنت عائد من العمل ينتابني بعض الفرح لحصولي على زيادة في الراتب، مما كُنت أظن أنه سيسعد زوجتي ولكن حينها كانت تقف في المطبخ لتعد الطعام فأقتربت منها أُقبلها برومانسية، فاجئتني تبتعد عني، شعرت بالغرابة  بعض الشيء، ولكني دنوت منها مرة أخرى أحتضنتها وبدأت أن أتحدث قائلا لها مايفرحني، ولكني قبل أن أُكمل حديثي نظرت لي وقالت لا أريد أن أعرف شيء دعني وشأني،أنتابتني الدهشة في بادئ الأمر وسألتها ماذا حدث لكِ لكي تتعاملي معي هكذا ،كنت أريد أن أخبرك بشيء سيسعدك 

يُسعدني ! لم أرى معك سعادة منذ أن إجتمعنا لم أرى إلا التعاسة، أنت لا تقوم بواجباتك وتسألني عن سعادتي 

وماسعادة المرأة إلا ورأت جمالها في عين زوجها، نظرة تشبع ما بداخلي كزوجة، كل ماتنظر له المال وكأنك تريد أن تعوض ماينقصك بالمال 

في هذه اللحظة جن جنوني  وفقدت أعصابي ولم أدري بأطرافي إلا وهي تضع أثارها على كل جزء من جسدها وتركت المنزل غاضبًا  لا أعلم من واقع كلماتها التي طعنت رجولتي أم هروبا من الحقيقة.


حينذاك تركت المنزل غاضبًا ،هائما على وجههي إلى أن قادتني قدماي إلى مقهي قضيت بها الليلة جالسًا شاردًا مكاني إلى أن أشرقت شمس الصباح، نهضت ذاهبَا   إلى المدرسة دون المرور إلى منزلي بسبب غضبي الجامح ، كنت أود التحدث ومشاركة شخص قريب مني ما أشعر به من تخبط ولكني ليس لدي أصدقاء وفكرت حينها بالتحدث مع ورد الفتاة التي تشبهني وكنت أعلم بأنها ستتفهمني ، لم أصبر على أنتهاء  اليوم الدراسي ، بحثت عنها بالطابور المدرسي وطلبت منها مرافقتي لأمر هام لغرفة المُعلمين ، سارت معي مضطربة ولكن كنت بحالة يُرثى لها ،قد تملك الحزن واليأس مني ، عندئذ وصلنا للغرفة وأوصدت الباب لكي لا يستمع لنا أحد وتوجهت للنافذة أغلقها أيضا، جلست بمقعدي وطالبتها بالجلوس ، ثم شردت في حياة تلك الصغيرة التي تذكرني بنفسي وأنا بعمرها ، فقد كانت تشكوي لي سوء معاملة والديها وإبتعادهم عنها ،الأب مُنشغل بعمله الدائم خارج المنزل ويحرمها من وجوده والحديث معها والأم أيضا منشغله بعملها وصديقاتها وكل الذي يربطهما المال والحياة الهنيئة الزهيدة، وتغافلوا عن حق تلك الزهرة الرقيقة التي تستحق منهما الأرتواء والعناية لكي تزهر أوراقها ، ولكنهما تركوها في مهب الريح دون الإحاطه بما ستواجه خارج منزلهم الذي خلى منه الدفء والامان ، تركوها لصقيع موحش ،يجتاح كيانها  الذابل في غيابهم  كانت تود أن تروي عطش أحتياجها لأب حاني يغدقها بحنانه وإحتوائه وأم صديقة لها تونس وحشة وحدتها، اغدقوها بالمال والثياب والهدايا وتركوا غصة مريرة بروحها ، لماذا الأباء يتركون ابناءهم تتخبط في دروب الحياة دون توجيهاتهم او امساك ايدينا لعبور نهاية الطريق؟ ماذا نفعل ونحن في عمر الزهور مقبلين على الحياة ؟  لماذا لم يقدموا لنا الامان والاحتواء لكي لا نبحث عنه ونسلك طريقا أخر يصلنا للهلاك ؟ لماذا العائلة تتجاهل وجودنا ؟ لما يتم الاسقاط علينا دون مرعاة لمشاعرنا ؟ لماذا يكون مصيرنا الموت ونحن احياء ، نعيش اجسادا بلا ارواح ، يتركون داخلنا جرح غائر لم نشفى منه؟

لذلك أشفقت على حياتها البائسة ووعدتها بأن أكون جانبها ولم تعد تشعر بالوحدة في وجودي ولكن عندما داهم عقلي التفكير بها وجدت فيها ما كُنت ابحث عنه، كأني وجدت ضالتي ، وتعويضي عن كل ما مررت به، كانت عينيها العسليتان الواسعتان تلمعان بشقاوة محببة تأثيران من يطالعهما ،  وتمتلك شعرًا كسلاسل ذهبية منسدلة على طول ظهرها، وأنف دقيق، وشفتين ممتلئتين كحبة ثمار شهية بلونهما القرمزي، ذكرتني بمحبوبتي  أنذاك وظلت أرنو إليها بعينين شاخصة، فاحصة لادق تفاصيلها، أحببت قربها ووددت تملكها أروي ما فقدته في طفولتي، كأنني وجدت حبيبتي التي فقدتها واردت أسترجاعها والفوز بها ، واتتني الجراءة بلمس يدها الرقيقتين وحينذاك أحسَّست ببرودة الخوف التي زحفت إلى أوصالها ، ولما لم اشعر بها وهي التي ذكرتني بخوفي وذعري وكل الماضٍ تجسد أمامي كشاشة عرض ، يُعرض عليها كل لحظات عمري القاسية ، لا اعلم أحببت ورد حقًا أم أحببت تملكي لها أم أحببت الشبه الذي بينها وبين محبوبتي الضائعة ، ظللت في حيرة من أمري ، احببت أن أرى في عينيها خوفا كنت اعانيه وانا طفلا ، وكنت أرى نفسي من خلالها، وجدتها مرآة لانعكاس صورتي داخلها، فقدت رأيت خضوعَا سبق وأن مررت به من قبل، وامتلاك الجزء الذي فقدته من روحي ، ارى فيها تعويضًا عن قوتي التي استحقها ، أرى من خلال روحها النقية الشفافة ملاذي، حينئذ واجهتني زوجتي المصون بالحقيقة المؤلمة التي لم يتحملها رجلا


لحظات حرجة مرت عليَّ كالدهر وانا جالسًا بمقعدي داخل الغرفة  اهز ساقي وذكريات إليمة تهاجم عقلي كحيوان مفترس ينهش خلاياه .

طالعتني مندهشة، فهمست لها بصوت مترددًا،خافت ،أقص عليها ما اشعر به من تخبط، نظرت لعينيها التي يخرج منهما وميضًا كأنه شعاع شمس دافئة تتوقني من صقيع حياتي ، اخبرتها وقتذاك انها المرآة التي أرى بها نفسي وانها تشبهني، كانت تنظر لي دون فهم وروحت أسترسل لها عن الشعور القاتل الذي أجتاحني عندما صارحتني زوجتي بعدم رجولتي وعجزي ، شعرت كأنني عاري تمامًا في مكان عام والجميع ينهشون في جسدي بنظراتهم الخارقة المتعرية للحقيقتي، بكيت وامسكت بكف ورد أحسها على الوقوف جانبي فكنت بحاجتها ودت لو تعانقني كصغيرها الذي يتتوق لمعانقة والدته وشاركتني الدموع عندما افصحت لها عن عدم تحمل زوجتي و مُعايرتها لي ولن أسمح بعودة الماضي ثانيًا على حياتي، أخبرتها بمعاملة والدتي القاسية منذ كنت طفلا صغيرا ، أنسابت دموعها من أجلي وزاد هذا من أنفعالي فقد رأيت نظرات شفقة داخل مقلتيها ذكرتني بشفقة زوجتي وكأنها تتحمل رجُل مثلي لم يعطيها حقوقها الزوجية ، صرخت بوجهها و رايت امامي شبح والدي الذي يطاردني وينهال عليَّ ضربًا فاردت أن أرد له تلك الضربات والصفعات ولم أشعر بنفسي إلا بيدي التي تبرحها ضربًا وتلقي بها أرضًا و أردت أثبات رجولتي عندما عادت هيئة زوجتي تتشكل أمامي في صورتها والشجار الذي دار بيننا و أمسكتها من ذراعيها بعنف ،أصرخ بوجهها وهي لا ذنب لها بالذكريات التي تلاحق عقلي من وحوش تطلاطم داخله وتتقاذف الصراعات كالامواج الثائرة ولم أشعر إلا بالأنقضاض عليها  

وشعرت برجفة تسري في جسدها سريان الجفاف في الغصن الرطيب، حاولت التملص مني وهي تتوسلني بالابتعاد عنها، وصراخاتها تصم أذناي ،كانت تستغيث من الوحش الثائر أمامها ولكن الغرفة منعزلة تمامًا لم يخترقها الضوضاء فقد كانت جدرانها عازلة لم يستطيع أحد معرفة ما يدور داخلها، زادت أنفعالات جسدي وثورتي الجامحة ، رأيتها بوجه محبوبتي التي حُرمت منها بسبب والدي فهتفت بغضب وتملك، لن أترككِ تضيعي مني مرة أخرى.

دنوت منها وأحتضنت وجهها بين راحتي ثم مَلت بشفتاي تلتقط شفتيها أنهل من  رحيقها، رفضت تملصها ، أطبقت عليها بقوتي والقيتها أرضا ،وصوت صدى زوجتي يتردد داخل أُذني وهي تهين رجولتي ،أنقضتت عليها وصفعتها  وهي ترتجف أمامي ،خائفة ،مذعورة، تلهث أنفاسها بفزع ومقلتيها تتسع بصدمة عندما جردتها من ثيابها العلوية ومزقتها ، ولم أستمع لتوسلاتها وكفيها الصغيرتين تحاول أبعادي بكل قوتها  الخاوية ولكني كنت أقوى منها ، مشتاق ،متلهف لقربها ، سعيد باللحظة التي أعيشها معها ، وهي تأني بصمت قاهر ولم تتحمل كل ما جرا لها.

توقفت عن فعلتي هنيهة عندما أستشعرت ببرودة جسدها مع حرارة جسدي ، وسرعان ما تدفق الأدرالين في دمي ، أنخمدت  نيران أفكاري المُشتعلة بجسدي وأنا شاخص بصري في بركة الدماء أسفلها، أنتفضت مبتعدًا عنها بذعر ،ثم دنوت منها ثانيًا أتحسس صدرها بأطراف مرتجفة وأعتراني القلق عندما أستشعرت توقف خافقها عن النبض، أنتابتني حالة من الفزع والارتياع وتجمدت اوصالي وسارت رجفة أجتاحتني ،   مذعورًا  بحثَا عن مهرب وتركتها جثة هامدة، وهرولت مُسرعًا  الذ بالفرار قبل أن يرأني أحد ، وأثناء ركضي أصطدمنهضتت بأحدى المُعلمات التي أمسكت بي  تتساءل عن سبب حالتي ولكني فررت من امامها بذعر ، وعندما دلفت الغرفة  رأت الجُرم المشهود وكانت أول من وجدت  ورد فاقدة للحياة  هاتفت الاسعاف واخبرت الشرطة وتم  الأمساك بي من قبل بعص المُعلمين وتم أحتجازي بالمدرسة إلي أن ألقت الشرطة القبض عليَّ وها أنا هُنا الأن لانال عقابي.


ترقرق الدمع داخل مقلتيه وأنسابت على وجنتيه عندما تذكر يوم الحادث.

فاجئته جبران متساءلة:

-ألا ترى نفسك مذنبًا؟

هتف مدافعًا بصوت غاضب :

- لم أقصد ذلك ، لم أنوي قتلها ،كل ما حدث معي بسبب الوحش الذي حاولت مرارًا أروضه وأكتم صوته ولكن شرارة الأنتقام تلاحقني في صحوي ومنامي، كنت أود قتل أبي والخلاص من كل ما تسبب في أذيتي ، وشقيقي الذي أبغضه وتمنيت نزع قلبه من صدره ولكنه هربًا كالفأر المذعور بعد وفاة والداي في حادث أليم، غادر البلدة بعد أن أستولى على جميع الممتلكات الخاصة بأبي ، أنا ليس بشيطانَا ولا شريرًا ، أنا فقط كنت أبحث عن حقي في الحياة الأمنة الهادئة، المُستقرة التي تظلنا بالحب والحنان والود والأمان الذي أفتقدته طوال عمري ، لم أقتل ورد ،الخوف هو الذي قتلها كما قتلني سابقًا ، الخوف يجب أن يُعدم ، هو سبب ضياعي ووجودي هُنا ، لا لا ليس الخوف وحده وأنما الضعف الذي أخرس ألسنتنا في الدفاع عن حقنا ورفض ما كان يحدث معنا ، يجب وضع هؤلاء الأشرار داخل زنزانة وينالوا  منهما ، يجب أن يعذبوا كما تغذبنا "الخوف، الضعف، الوحدة، القهر ،الذل ، الغضب ،الصمت، العجز والخضوع " كل ما تسبب في قتل ورد يستحق الموت وحتى أنا أستحق أن أُعدم ، قد فارقت روحي مع فراق روحها  غادرتنا روحها البريئة لانها ملاك لا تستحق العيش مع هؤلاء البشر .

طالعته جبران  بحيرة فلا تعلم تشفق عليه أم تبغضه فما مر به على مدار حياته ليس بهين ولكن الفتاة ضحية لا ذنب لها بمعاناته منذ أن كان صغيرًا .

أنهالت عليه ببعض التساؤلات:

- وما ذنب ورد في الأنتقام الذي ظل يتوغل داخلك إلى أن جعلك ترتكب جُرم كهذا؟  

عاد الغضب يرتسم على ملامح وجهه وهتف منفعلا:

-وما ذنبي أنا أيضا في عيش تلك الحياة ، مرفوضا، منبوذًا من عائلتي ، لقد قُتلت قبل ورد ، ولكني قُتلت بسلاح أخر ، طعنني والدي بخنجرًا مسموم أخترق قلبي عندما رفضني وضربني وحرمني وسلب مني جميع حقوقي، عشت سنين عمري كاليتيم والشريد الذي لا مأوى له وعائلتي تنعم بالحياة، والدي يجب أن يُعدم هو سبب بؤسي وشقائي، هو الذي جعل مني قاتلا ومقتولا فقد نحر روحي وأزهق دمائي بقلب صلد شاهدًا على عذابي 

أنهمرت دموعه ندمَا  وتساقطت حبات العرق من جبينه وهو يهمس بصوت مرتجف؛

- جميعونا قتلنها دون أن نرأف بها ، أبي وأنا ووالديها أيضا والخوف والذعر الذي تملك منها ، ورد ضحية لجهلنا ومرارة عيشنا وضغينة نفوسنا المريضة ،المهشمة ، جميعونا نستحق الأعدم .


دمعة حبيسة تشكلت في مقلتيها  حزنًا على ما مرت به الصغيرة وهي تصارع في أخر لحظات من عمرها  ، تراه شاب يُعاني قهرَا ، وحرمان ، وعنف أبوي وقسوة وأضطهاد منذ الطفولة ، يتالم بسبب رفض عائلته له ، هو شابَا مضطربًا كثيرا من الداخل ، كبح لجام غضبه ووضع نفسه في دائرة مغلقة لم يستطيع الفرار منها ولم يقدر على القموع فيها ، فجوة زمنية لم يستطع تخطيها، أغلال مُقيد بها تُسلسله بالماضٍ و لا زال  يتجرع مرارته ، لفظته عائلته وصار فريسة التربية القاسية، وأستسلم خوفًا وخضوعًا ،إلى أن سيطر الأنتقام على عقله المُذبذب  ليطيح به في نوبات غضب وجنون يأذي نفسه ومن حوله كما فعل بتلك الوردة المسكينة.

❈-❈-❈

غادرتُ مركز الشرطة وقد أعتراني حالة من التيهة والتخبط، أستقليت سيارتي وعدت إلى صومعتي الخاصة أعزل نفسي عن العالم الخارجي عندما يورق تفكيري  قضية مُعقدة وأريد أحضار ضميري ،أنا الأن داخل صراع قوي بين العقل والعاطفة ، جلست خلف مكتبي وبدءت أخط بقلمي داخل الدفتر الخاص ،أفرغ ما داخل عقلي  وأفكاري المتزاحمة على الاوراق البيضاء لكي أتخذ القرار النهائي .


تشتت عقلي وأنقسم إلى شطرين ،شطر متعاطف معه حتى بوجداني وشطر رافضًا إلتماس له أي عذر ، فعذر أقبح من ذنب، فما  حدث معه ترك ندوبَا  وجراحَا  لا زالت تدمي من أساليب والده وعدم آدميته في التعامل معه، غادر الحياة وترك جسدَا خلفه مُحطمًا ،مهشمًا ،يتخبط بين جنيبات الدروب .


أعتراني اليوم  الشعور بالسخط والأشمئزاز، عندما نال حقا ليس من حقه واغتصب البراءة ولكن تعاطف قلبي معه عندما أخبرني بمعاناته منذ طفولته وهذا لا ذنب له فيه ، لقد تجرد والده من كل معاني ألابوه والأمان والعطف والأحتواء ليجعل طفله يعاني طوال حياته ، الاب هنُا مذنب ويستحق العقاب لا الشاب ، الأب هو الذي جعل منه وحش ينخر في عقل الشاب ويتملك منه للحظة الانقضاض على فريسته ، الشاب تمنى أن يجعل والده يذق ما أذاقه إياه ولكن القدر تدخل وفارق الأب الحياة وظل الشاب في صراع مع الماضي 

الأب كان سببًا  قويا في تدمير حياة طفله وعندما كبر وأصبح شابَا سعى في تدمير  الطفولة  البريئة ونزع الأمان من قلبها ليحل محله الخوف والرهاب والذعر لانها ذكرته بنفسه التائهة ، اغتصب حقًا ليس من حقه ، وأضاع حقها في الصد لأفعاله، أراد أن يعلم ما واقع أفعاله على غيره ، هل ستصده أم تستسلم لمصيرها كما فعل هو سابقًا ، سلب صوتها وأخرسها لأنه علم نقطة ضعفها الخوف من والدها الذي يعاملها بقسوة ،وأنسل تحت وطأه الأنتقام من كل  أب قاسي ، ظالم ، متجبر  ، لا زالت  عقدة الماضي تلاحق ذاك الشاب والزوجة التي وضُعت ملحَا على جُرحه لكي يتألم وتتسع جراحه بدلا عن مداويتها وتطيب روحه التائهة ، لما لم تشعر به وتضمه بين أحضانها  لتخمد ثورة غضبه وجنونه الكامن الذي يودي به  للهلاك ، كان من الممكن أن تُطهر جرحه الغائر من قيود الماضٍ الذي لا زال يترك أثره ، لما لفظته وجردته أمام نفسه بالحقيقة العارية التي أغضبته وجعلته يسلك طريق اللا عودة، الجميع هُنا مذنبون في حق هذا الشاب وحق الطفلة البريئة التي لا ذنب لها ، الأهل والزوجة أعطو له سلاح يُقتل به البراءة، يُقتل به المستقبل، ويُدفن الضمير، هو أيضا حد هذا السلاح بأستخدام مهنته للقتل، بسلاح هذا العصر

سلاحًا حادًا يقتل قتلا، يذبح ذبحا إلى أنه سال الدماء المتجمدة. 

أدركت ما مرت به الصغيرة من مشاعر رهبة وأرتياع عندما ظفر بها واستباحها لنفسه كانه يسترد حقًا من حقوقه المسلوبة.

لاول مرة أشعر بالحيرة في اتخاذ قرار مصيري مُتعلق بقضية ، قلبي يقطر دمًا على ورد الزهرة التي  قطف عمرها غدرًا ، ودموعي تنساب حزنًا على هذا الشاب الجريح مثل الطائر الذبيح الذي يرقص روحه من شدة الألم، وهُدر حقه مند أن جاء إلى الدنيا، وحينما كبر تملك الأنتقام الأهوج ذروته ليصبح اليوم جاني ومجني عليه في آن واحد ، ويقف خلف القضبان ينتظر  عقابه.


زفرت أنفاسي بهدوء وأغلقت الدفتر وأنا أعلم الخطوة القادمة التي يجب عليَّ القيام بها لكي تقتص العدالة من الجاني ..

أتخذت القرار الصائب الذي سيريح ضميري ويثلج صدري ..

❈-❈-❈

أتَ اليوم المنتظر.

دلفت جبران لقاعة المحكمة وبجانبها السيدة مريم والدة ورد مرتدية ثيابها السوداء حزنًا على فقدان صغيرتها وحيدتها، فقد كانت قلبها النابض بالحياة الان اصبحت جسدًا بلا روح وكل ما تسعى من أجله هو العدالة والقصاص العادل لروح ابنتها الطاهرة...

دلفت هيئة المحكمة وجلس المستشارين والقاضي بإمكانهم وايضا تولى وكيل النائب العام مقعده وكانت القاعة تعج بالحضور ، عدد لا بأس به من السادة الحضور والصحافة التي تشهد ذلك الحدث ، والمتهم الذي يقف خلف القضبان بزي السجن الأبيض وينكث رأسه ارضًا خجلاً على ما فعله ، الان يشعر بالخجل اين كان عقله من قبل أن يفعل تلك الأفعال التي تقشعر لها الابدان.

وقف الحاجب ينادي على تلك القضية وعم الصمت داخل القاعة يستمعون لهيئة المحكمة

نظر القاضي للاوراق التي أمامه ثم هتف قائلا:

- الدفاع يتفضل. 

نهضت جبران عن مقعدها والتقطت ملف القضية بين يديها وسارت بخطوات ثابتة وهي مرتديه روب المحاماه وقفت أمام هيئة المحكمة وقالت بصوت جلي يضرب السكون الذي عم بالقاعة:

-سيدي القاضي، حضرات المستشارين، نحن اليوم أمام قضية ليست كأي قضية، بل هي جرح عميق في جسد المجتمع، قضية تهز القلوب وتدمي الأرواح. إنها ليست مجرد حادثة فردية، بل هي انعكاس لمعاناة جيل كامل، جيل من الفتيات اللاتي تعرضن للظلم والانتهاك في مكان كان يجب أن يكون رمزًا للأمان والتعليم.  

المتهم، الذي كان يُفترض أن يكون قدوة ومصدرًا للثقة، استغل منصبه كمعلم ليحول المدرسة إلى مكان للرعب والخوف. فتاة صغيرة، في عمر الزهور، لم تكن تعرف سوى البراءة والنقاء، وجدت نفسها ضحية لرجل تجرد من إنسانيته، وانساق وراء رغباته دون أن يلتفت إلى حجم الجرم الذي يرتكبه.  

سيدي القاضي، هذه الفتاة ليست مجرد رقم في قضية، إنها روح بريئة، زهرة لم تكتمل تفتحها، أمانها سُلب منها، ونقاءها دُنس على يد من كان يجب أن يحميها. المدرسة، التي كانت دائمًا رمزًا للعلم والأمان، أصبحت في هذه الواقعة مكانًا للرهبة والفزع، مكانًا يُذكرها بأبشع لحظات حياتها.  

المتهم لم يكتفِ بالتحرش، بل تجاوز كل الحدود الإنسانية والأخلاقية، وارتكب جريمة الاغتصاب، جريمة لا تمحوها الأيام ولا تُنسى آثارها. لم يكتفِ بذلك، بل مارس الترهيب والتهديد ليُجبر الضحية على الصمت، ليُخفي جريمته تحت ستار الخوف.  

نحن هنا لا نطالب فقط بالعدالة لهذه الفتاة التي لاقت حتفها، وفاضت روحها إلى بارئها، بل نطالب بالعدالة لكل فتاة تعرضت لمثل هذا الجرم، لكل فتاة تخشى أن تتحدث، لكل فتاة تحمل في قلبها ألمًا لا يمكن وصفه. 

هذه قضية مجتمع بأكمله يجب أن يقف صفًا واحدًا لحماية أطفاله، لحماية فتياته، لإعادة الأمان إلى المدارس والجامعات، لإعادة الثقة إلى قلوب الأمهات والآباء.  

لذلك، سيدي القاضي، أطالب بأقصى العقوبة على المتهم، ليكون عبرة لكل من تسول له نفسه أن يرتكب مثل هذه الجرائم، ليكون الحكم رادعًا لكل من يعتقد أن بإمكانه استغلال ضعف الآخرين لتحقيق رغباته ونزواته .

أرجو من عدالة المحكمة أن تنصف روح الفتاة التي رحلت عن عالمنا وأن تُعيد لها جزءًا من حقها الذي سُلب منها، فالحق لا يضيع مهما طال الزمن.  

وشكراً سيدي القاضي.  

عادت تجلس على مقعدها بعيون دامعة تنتظر النطق بالحكم الذي سيثلج صدرها كما هي متيقنه لذلك .

هتف القاضي قائلا بصوت رخيم : 

- بعد الاطلاع على أوراق القضية وسماع الشهود وتقرير الطب الشرعي في سبب وفاة الطفلة ورد محسن الزيات، واطمئنت المحكمه فقد قررًا الآتي.

-بعد تعديل القانون أصبحت واقعة التحرش جناية ويتم معاقبة المتهم بأقصى عقوبة تترواح من خمسة أعوام إلى عشر حسب واقعة التحرش الجنسي والايقاع بالفتيات ، ولكن اليوم ليست جناية تحرش جنسي فقط وانما وصل به الجُرم إلى أغتصاب الفتاة ، لقد أغتال براءة الصغار دون شفقة ولا رحمة، سلب منهن الامان ، يترك  ذلك اثرًا  سلبيَا  ونفسيًا  على الفتيات التي تتعرض لهذا الاعتداء

كما اطمئنت هيئة المحكمة  باعترف المتهم  بكل جرم ارتكبه لذلك قررنا تحويل اوارق المتهم أكمل الصباغ إلى فضيلة المفتي، رُفعت الجلسة...

❈-❈-❈

تهللت اسارير السعادة التي ارتسمت على صفيحة وجهها بعدما جلبت حق "ورد" فقد غاب الضمير عن مجتمعنا هذا ، وغابت الاخلاق وضاعت التربية الصحيحة السوية ، فهي تتمنى من كل أسرة تقويم أطفالهم ويقدموا لهم الحب الكافي والاحتواء والامان لكي لا يبحثون عنه خارج منزلهم ويضيعون في متاهة الحياة المليئة بالمغريات ، فاذ صلحت التربية  وصلح التعليم صلح المجتمع بأكمله .


"دعونا نتساءَل"

هل كل ضحية مجني عليها بالفعل أم هو الجاني الحقيقي؟

هل كل جاني مُجرم بالفطرة دون سبب أم ضحية التربية والمُجتمع والظروف أم ضحية الضحية ذاتها؟

من الضحية ومن الجاني في هذه القضية ؟!

ما الجاني إلا ضحية وما الضحية إلا سببًا للجاني.. وهذا ليس تبريرًا بل تحليلًا ولست مبررة بما يفعله كل جاني ولكني أتساءَل ولكم الجواب؟؟


تمت


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية المال مقابل القلب

رواية عندما يعشق الرجال للكاتبه قسمة الشبيني المقدمه والفصل الأول

قصة الزوج المسافر فاطمه الألفي

قصة زهرة الخريف فاطمه الألفي