الفصل الحادي عشر من رواية زين عندما يعشق الرجال بقلم قسمة الشبيني
الفصل الحادي عشر
فى المصحة النفسية
جلست رقية بجوار رغد التى استكانت اخيرا وتوقفت حالات التشنج التى أصابتها منذ ساعات بالتحديد منذ غادر زين ، والتى فسرها الدكتور سامي بأن شعورها بعدم الأمان ولد عندها رغبة شديدة لليقظة خوفا مما قد يحدث إن غفت لذا فهى ترفض الاستسلام للنوم ومع المهدئات التى تحقن بها كانت التشنجات رد فعل جسمها رفضا للنوم .ورغم أنها غفت أخيراً إلا أن رقية لازالت تتمسك بكفها وتقص عليها ذكرياتهما معا .
طرق الباب طرقة خفيفة لتتوقف عن الحديث وتضع كف رغد وتقول بإجهاد : اتفضل
دخل رمزى ينظر ل رغد ويتحدث بخفوت: ها !!! نامت ؟
رقية: الحمد لله اخيرا التشنجات وقفت بقى لها نص ساعة هادية
تقدم رمزى بهدوء وهو يهز رأسه في أسى : الله يكون فى عونها
ومد يده لها بكوب : جبت لك قهوة معايا
تناولت الكوب بإمتنان : فى وقتها حقيقى
ابتسم رمزى وقال بود: اى خدمة إحلمى وانا انفذ
نظرت له ببلاهة فتنحنح بخجل: انا قاعد برة لو احتجتى حاجة إفتحى الباب تلاقينى
وغادر بهدوء فيبدو أن طريقه سيكون وعرا . وعادت رقية تجلس لجوار رغد ترتشف القهوة وتتحدث إليها
*********
اليوم التالى بمحافظة الشرقية.منزل ياقوت
جلس الجميع يتناولون الطعام ليدخل زين من الباب بوجه متجهم : السلام عليكم
الجميع: عليكم السلام
ينظر له ناصر محاولا إخفاء الألم في صوته: كويس انك جيت يا زين تعالى يا حبيبي كل معانا
يتجاوز زين المائدة : مش قادر يا ناصر مليش نفس
يصمت ناصر فهو لا قبل له بالمواقف المؤلمة بينما يقول محسن بإصرار: يابنى هتقع من طولك
إتجه زين للخارج مرة أخرى: معلش انا هطلع أخد دش وانزل علطول اروح اسكندرية
لتستوقفه ياقوت بحزم : لا يا زين اخواتك هيروحو معاك
توقف ليلتفت لها : ليه بس يا أمى تتعبيهم ؟؟
لتنظر له بحنان أم يتألم صغيرها: تعب ايه يا حبيبي ؟ دا واجب انت قلت الجماعة ممكن يندفنوا بكرة لازم يروحوا يحضرو الدفنة وياخدوا العزا كمان
لينظر زين لأمه بإمتنان : ربنا يبارك لنا فيكى يا امى
وكانت فرصة جيدة لتبادل الحوار فقد يهون هذا عن زين قليلا ليؤكد محسن رأى والدته فورا : معاكى حق يا اما رغد بقت واحدة مننا وده اقل واجب .
لكن زين لم يتجاوب مع هذه الفرصة بأكثر من إيماءة رأس ليغادر قاصدا الشقة العلوية بصمت بينما قالت ايمان: يا جماعة هنسيبوا من غير اكل كده
تبادل الجميع نظرات صامتة وما هى إلا دقائق حتى دخل ياسين : السلام عليكم
الجميع: عليكم السلام
وها هى الفرصة الوحيدة التى أسرع ناصر يقتنصها : ياسين زين مش راضى يأكل حاجة من إمبارح إطلع يا حبيبي أكله وكل معاه ما أنتو حالكم من بعض
واسرعت تقى تتناول طبقا وتملؤه بالطعام ليتناوله منها ياسين بصمت ويلحق بأخيه ،توجه ياسين مباشره لغرفة زين الذى نظر للطعام بتأفف : مش عاوز اكل يا ياسين
جلس ياسين وقال بهدوء يتنافى مع طبيعته : شوف بقة يا زين انا اكتر واحد فاهمك من غير ما تتكلم ومتأكد أن الكلام اللى قلته نص الحقيقة علشان كدة واثق إن رغد فى محنة شديدة ومحتاجة وجودك وانت لازم تقف على رجليك علشان تقدر تساعدها هتساعدها إزاى وانت مش قادر تصلب طولك دلوقتى لازم تاكل علشان رغد مش علشانك
نظر له زين بألم : فاهم يا ياسين بس مش قادر كل ما افتكر منظرها أكره نفسى انى مكنتش جمبها وهى إتحملت كل ده لوحدها
هز ياسين رأسه متفهما : فاهم يا زين بس انت لسه قدامك الوقت تفضل جمبها لحد ما ترجع بالسلامة وتعدى أزمتها على خير تعالى ربنا يهديك ناكل سوا علشان نطلع بسرعة
انصاع زين لأخيه فهو على يقين أنه لم يذق طعاما منذ الأمس ولن يذقه دونه ، تناول كل منهما لقيمات بلا شهية وكل منهما يتحمل لأجل الأخر.
***************
فى محافظة الإسكندرية ، فى منزل المعلم مرسي
يقف مرسى غاضبا وأمامه رجاله ،صفع مرسى فتحى على وجهه بغضب شديد وهو يصيح: يعنى ايه انى قلت عايز البت دى يعنى عايزها
فتحى بخوف: والله يا معلمى المستشفى إللى هى فيها عليها حراسة يامه واحد من ولاد النجار إسمه رمزى مرابط قدام اوضتها ومعاه كل راجل وراجل يسد عين الشمس
يمسك مرسى مقدمة ملابسه ويجذبه إليه بحقد :كل ده ما يهمنيش من أمته واحنا بنخافو من حد ؟ البت دى لازم ترجع لى فاهمين يا بقر
حاول خميس تهدئة الوضع الذى تأزم فإصرار مرسى على نيل رغد قد يفتك بالجميع : ماهى على ماتفوق يا معلمى البنية فى دنيا غير الدنيا ، اصبر بس يومين يا معلمى يعنى هى هتروح فين ؟مسيرها تيجى تحت رجليك وتتمنى الرضا
لتكن كلمات خميس كالمسكن الذى سرى مفعوله بعروق مرسى ليهدأ قليلا ليلتقط أنفاسه الغاضبة قبل أن ينظر لهم بشر : تراقبوا المستشفى ليل نهار انا عاوزها النهاردة قبل بكرة ومايهمنيش فاقت ولا لأ فاهمين !
وتركهم مغادرا يعصف به غضبه ليتنفسوا الصعداء لنجاتهم من شروره وكل منهم يخفى مخاوفه عن الأيام القادمة فهم على ثقة أن الأمر لن يمر بسلام قبل أن يأتوا له بمن يشتهيها حد الجنون.
***************
فى المصحة النفسية
طرق رمزى الباب بهدوء فسمحت له رقية بالدخول لينظر لوجهها المجهد بإشفاق : شكلك تعبان اوي يا رقية ما نمتيش شوية ليه ؟
رقية بتلقائية: انت ما تعرفش يا رمزى رغد غالية عندى قد ايه
تحدث كلاهما بتلقائية دون أن ينتبها أن كل منهما قد توجه للآخر بإسمه مجردا ودون أن ينتبها لتلك الألفة التى تتسلل بهدوء لروحيهما فتزيدهما ترابطا .
إقترب رمزى من رقية ليقول هامسا وكأنه يخشى أن تسمعه رغد النائمة : انا جالى تليفون لازم اروح استلم الجثث واجهز علشان الغسل والدفن
شعرت رقية بغصة فى حلقها حاولت أن تداريها وهى تنظر لصديقتها بألم: الله يرحمهم
يخرج هاتفه من جيبه: ممكن اخد تليفونك علشان اطمن عليكي كل شوية وما تخافيش الحراسة هتفضل برة
ولم ترى بأسا فى ذلك لتمليه رقم هاتفها بلا إعتراض ليشعر بسعادة لزيادة قربه منها فيغادر بصمت
*************
بمحافظة القاهرة ، شقة صفية
تدخل لغرفة ابنتها التى لم تغادرها منذ الأمس لتجدها على نفس الوضع تجلس بالفراش وتضم ركبتيها لصدرها ، تهز رأسها بأسف فهذه صغيرتها تعانى من قلبها الذى أحب دون إرادة لتقترب وتجلس بالقرب منها : حبيبة قلبي حابسة نفسها ليه ؟
لم ترفع شيماء رأسها وقالت بخفوت : أنا كويسة يا ماما
زادت قربا لتجذبها لصدرها فلم تمانع ابدا وإقتربت تريح رأسها على صدر أمها حيث تجد الراحة والأمان دائما لتهمس صفية بعتاب : هتتعلمى تخبى عليا يا شيماء.
تشبثت بملابس أمها وبدأت تقص عليها بلا تفكير كل ما حدث منها ومن مالك فهذا ما إعتادت عليه أن تلقى بكل همومها على أعتاب أمها الحانية التى طالما رفعت عنها كل همومها .
إستمعت صفية لابنتها بهدوء ولم تقاطعها حتى إنتهت من كل التفاصيل كما تراها هى بقلبها العاشق لذلك الشاب ثم ربتت على رأسها بحنان : انت غلطانة يا شيماء .
ابتعدت شيماء فجأة عن صدر أمها معترضة : أنا يا ماما !!!
أعادتها صفية بهدوء : أيوة يا قلب ماما . ده راجل مجروح جرحين أصعب من بعض . أول حاجة حبيبته إتخلت عنه في أكتر وقت محتاجها فيه ، تانى حاجة فى إحتمال يكمل حياته عاجز ، وانت رايحة ببساطة تقولى له بحبك . هو زى الأسد المجروح هيأذى اى حد علشان يحافظ على حياته .
شيماء : أنا ماقصدتش بس لما قال مش محتاج شفقة قلت له أنى بحبه مافكرتش
لتربت عليها صفية : مش بالكلام يا بنتى الحب في الحالة دى مش كلام ، دعم وسند . ولا انت بتطلبى حبه قصاد إنك جمبه فى الوقت اللى إتخلت عنه حبيبته ؟
رفعت رأسها بفزع : لا يا ماما أنا مش عاوزة غير إنى أشوفه كويس زى ما كان .
اعتدلت صفية لتبتعد عن ابنتها قليلا وتنظر لوجهها : شوفى يا حبيبتي إذا عندك استعداد تتحملى كل نوبات غضبه اللى هى تعبير عن جرح كرامته وتفضلى واقفة جمبه لما الأزمة دى تعدى ممكن ساعتها تكسبى قلبه ، لكن إذا فى كل مواجهة تحصل هتهربى منه وتستخبى كدة يبقى انت مش حمل وجعه وابعدى عنه انت كمان من دلوقتي وريحى نفسك وريحيه .
حاولت شيماء أن تتحدث لتقاطعها أمها : فكرى يا حبيبتي. فكرى بالراحة لإن القرار ده هيغير مجرى حياتك تماما . وبعد ما تفكرى أى كان قرارك انا هدعمك فيه .
ابتسمت وهى تقبل رأسها وتغادر بهدوء
*************
وصل الاشقاء إلى الإسكندرية ليلا وقام ياسين بمهاتفة رمزى الذى اخبرهم بتوجهه إلى المشرحة لاستلام الجثمانين فطلب منه زين أن يعود للمشفى على أن يذهبوا بدلا منه ثم عليه ملاقتهم فى صلاة الفجر لأنه قرر أن تتم صلاة الجنازة بعد صلاة الفجروأسعد ذلك رمزى كثيرا ليدير عجلة القيادة فى طريق العودة ، أسرع يتصل برقية التى لم تجب على اتصالاته المتكررة مما اقلقه فأوقف السيارة جانبا وهو يحاول لآخر مرة طلب الرقم وانتظر سماع صوتها الذى جاءه بحذر : السلام عليكم
تنهد رمزى بإرتياح : عليكم السلام ايه يا رقية ما بترديش ليه قلقتينى ؟
رقية: مين معايا
رمزى: انا رمزى يا ستى خلاص كنت هاكلم الحراسة
رقية: معلش اصل مش عارفه رقمك
رمزى : معلش حصل خير المهم انك كويسة انا كنت بطمن عليكى .عليكم انتى ورغد يعنى
رقية: بخير والحمد لله
رمزى : انا جاى فى السكة مش عاوزة .عاوزين حاجة
رقية ببساطة : لا شكرا مش محتاجين حاجة. مع السلامة
وأغلقت الهاتف دون انتظار إجابة منه فشعر ببعض الغضب لحماقتها ولكنه ابتسم بسعادة لبراءتها التى أصبحت عملة نادرة
******************
كانت صلاة الجنازة رغم أنها بعد صلاة الفجر إلا أن الحشد المتجمع لتشيع الجثمانين يدل على قدر محبة الناس للراحلين ، فالكل أقبل من كل صوب بمدينة الإسكندرية رجالا ونساء ، لم يتخيل زين أن الصلاة ستكون مزدحمة بهذا القدر وأنتظر أن يعلن أحدهم صلة قرابة بينه وبينهما لكن لم يحدث، كل هؤلاء ما بين باك وحزين جميعهم معارف وأصدقاء ولا تربط أى منهم صلة قرابة بالراحلين وبالتالى رغد صارت بالفعل وحيدة ، رغم أن الجميع يهتم ويسأل عنها لكن لا أقرباء لوالديها .
ليتم دفن الجثمانين ويعلن زين أن العزاء قائم لثلاث ليال متصلة لعل أحدهم يخبر ذلك العم المهاجر الذى تحدثت عنه رقية . ورغم خوفه من فقدانها إلا أنها فى أمس الحاجة لذويها فى هذه المحنة أما هو فسيلحق بها أينما كانت.
********************
القاهرة . الصباح التالى
تجلس عزة بصمت ويرقد مالك على حالته بينما أختفى حسن ، طرقات خفيفة تتوجه على اثرها عزة للباب ليتهلل وجهها فور رؤية شيماء بنفس الوجه البشوش الذى رأته أول مرة .ضمتها بسعادة غامرة وهى تهمس : كنت خايفة تستسلمى .
بادلتها ضمتها بحب ثم توجهت فورا صوب فراش مالك : جبت لك معايا فطار هيفتح نفسك على الأكل.
إلتقطت عزة هاتفها وهى تتجه للخارج : شيماء معاك انا هروح للدكتور أعرفه إن حسن راح يسحب الفلوس علشان يعجل بإجراءات السفر .
وغادرت دون أن تمنحه فرصة للحديث لتجلس شيماء بلا تردد وتمد يدها بالطعام فينظر له شزرا ثم يحدق بوجهها : هتعملى إيه؟
هزت كتفيها : هأكلك .طنط خرجت ومعاد الدوا يا دوب .
تفحص وجهها الذى يخلو من اى تعبير سوى تلك الإبتسامة ليتناول الطعام على مضض ، حمحمت وغابت إبتسامتها : طبعا انت مستغرب أنا بعمل إيه هنا بعد الكلام اللى انت قلته؟
دارت عينيه هربا من عينيها المسلطة عليه : أنا أن
قاطعته بحدة : انت قلت امبارح بما فيه الكفاية، أنا بس عاوزاك تعرف إنى جمبك لأن ده مكانى ، انابحبك وانت شايف إنى طفلة مقدرش أحدد مشاعرى ، تمام أنا بقا دلوقتي جمبك وهفضل جمبك مش شفقة ولا لأنك محتاج وجودى لا . أنا جمبك لأنى محتاجة أطمن عليك .
حاول مقاطعتها مرة أخرى لتنظر له بحدة وتناوله المزيد من الطعام فيتناوله ويجد صعوبة فى إبتلاعه بسبب غصة تخنقه لا يعرف سببا لها إن كان حديثها الحاد أم من الطعام أم من شعوره بالندم الذى يؤنبه منذ الأمس .
عادت ابتسامة متألمة تظهر على وجهها لتزيد من إختناقه وهى تقول :لازم تعرف إنى مش بفرض نفسى ولا مشاعرى عليك يعنى انت مش محتاج تنفعل ولا تطردنى تانى أنا مش عاوزة أى مقابل لحبى ليك أنا بحبك وبس وكل اللى عاوزاه انك تبقا كويس علشان كدة أول ما أطمن عليك هختفى من حياتك ومش هتشوفنى تانى فبلاش تهدر صحتك فى إنفعال عليا لأن هيجى يوم هكون گأنى ما دخلتش حياتك .
لم يعد قادراً على إبتلاع الطعام الذى يجاهد من الأساس لابتلاعه فأشاح بوجهه : شبعت
رفعت الطعام وكأن شيئا لم يكن ودقت الجرس لتأتى الممرضة فتطلب منها إعطاءه الدواء وتعود لتجلس بجواره ليسود صمت مؤلم لكليهما دون أن يفكر أى منهما فى قطعه حتى تعود عزة لتعود لها الإبتسامة وهى تتبادل معها حديثاً وديا لتنظر له فجأة: خلاص هتسافروا .
أغمض عينيه ليبتلع كلماته فتعود تلك الغصة التى تخنقه لتجيب عنه والدته : الدكتور أكد لى خلال يومين تلاته بالكتير هنكون فى ألمانيا .
لتتمتم شيماء : بالسلامة إن شاء الله
وزارته فى اليوم التالى والتالى حتى علمت بموعد سفره لتختفى تماما .
*******

تعليقات
إرسال تعليق