رواية جرح الأمس لحنان درويش الفصل الأول

 لطالما حذرني الجميع منك، أخبروني أنك تحرق كل من يقترب منك، لكنني لم أستمع لهم، كنت كفراشة جذبها ضوء اللهب، اقتربت فأحترقت حد الموت!! 


أنهت تدوينها في مذاكراتها لهذا الصباح، التفتت لذلك الكائن الصغير القابع خلفها على الفراش يلعب بهدوء مع نفسه، ابتسمت له بحب ودفء، استقامت واقفة من جلستها على المقعد، سارت نحوه بخطوات متمهلة، وصلت إلى الفراش، جلست عليه، مدت يدها لتحمل الصغير، وضعته على حجرها، أخذت بعدها توضع قبلات حانية على وجهه وجبهته كذلك، قربت أنفها من رأسه، أخذت تتشمم رائحته، اخفضت بصرها، تأملت ملامح وجهه، تلك الملامح التي تذكرها بأحد ما،  غاصت بذاكراتها، عامان مضيا على تلك الذكرى، حينما رأته لأول مرة، كانت تشعر أنها تمتلك جناحان تطير بهما، الفرحة جعلتها تشعر بذلك، تهرول نحو الشركة التي تعمل بها شقيقتها الكبرى سها كمساعدة لرجل أعمال شهير، تركض بسرعة نحو المصعد، حتى أنها لم تنتبه لذلك الجسد الضخم الذي يقف أمامها، اصطدمت به بقوة كادت توقعها أرضا، لكن حمدت ربها حينها في سرها أنه أمسك بها جيدا من خصرها وإلا لكانت انكبت على الأرض في مشهد مهين!!! 



"انتبهي أيتها الفتاة" 


ابتعدت عنه على الفور، لم تشأ أن ترفع وجهها لأعلى كي ترى عينيه، شعرت إن هي فعلت لسوف تشعر بمزيد من الخجل، فقط أخذت تشير إليه بيدها، تخبره بنبرة خافتة، تقدم له اعتذارا على فعلتها


- أعتذر منك حقا، لم أكن اقصد أن ارتطم بك سيدي، عذرا على هذا، وشكرا على مساعدتك لي. 


ألقت تلك الكلمات على سمعه، ركضت لداخل المصعد، ضغطت على أزراره بسرعة كبيرة، غير واعية لمن كان ينظر إليها بنظرات متعجبة، يضرب كفا على كف من فعلتها المتهورة تلك، يردد بصوت خافت


- هل تلك الفتاة بلهاء أم ماذا؟! هي لم تنظر إلى وجهي حتى، فقط تركتني وذهبت!! 


فرغ من حديثه مع نفسه، أخذ يتابع رحيلها مع المصعد لأعلى، زفر بقوة، فهي قد جعلته يتأخر عن مقابلته مع أخيه الذي ينتظره في تلك اللحظة. 


المصعد وصل بها إلى الطابق الثالث، حيث المكتب الخاص بشقيقتها يقبع هناك، بخطوات تكاد تكون ركضا هي سارت، حتى وصلت إليه، دلفت بسرعة قطار خرج عن مساره، وحين وصلت لم تجدها في الداخل، فكرت أنها ربما في غرفة المكتب الخاصة برئيسها، السيد جاسر، ذلك الرجل الذي لطالما شكرت في أخلاقه ومعاملته الحسنة لها، رغم فقدانه لوالدة أطفاله منذ عامان فهو يحاول أن يظهر تقبله للأمر، يتعامل بشكل طبيعي مع الآخرين، هذا ما جعل شقيقتها تتعاطف معه بشدة، هي أيضاً شعرت بالشفقة من أجله ومن أجل أطفاله الصغار.


نظرت في ساعتها بضيق، نفخت بقوة، تبرمت من الأمر، هي هنا في داخل مكتب شقيقتها منذ عشر دقائق وهي لم تظهر بعد، صوت ما همس في داخلها أخبرها أن تذهب إلى ذلك الباب الموصد، تطرق عليه، لعل أحدهما يجيب عليها، ترددت في الأمر قليلا، لكن حسمت أمرها في النهاية وتوجهت نحو الباب، طرقت عدة طرقات صغار ثم ابتعدت خطوتين نحو الخلف.



بينما في الداخل، كانت هناك شقيقتها، تجلس على أريكة تتوسط الغرفة، تتبادل الحديث معه، رئيسها في العمل، تنصت إليه بينما يخبرها بنبرة متسألة: 


- إلى متى سوف أنتظر ردك على طلبي سها؟! عام كامل وأنا ظللت ألمح فيه بالأمر لك لعلك تفهمين! حتى وحينما صرحت لك برغبتي في الزواج منك ظللت تهربين من الجواب!  تارة تخبريني أنك تفكرين في الأمر، وتارة أخرى تخبريني أنك تنتظرين تخرج شقيقتك من الجامعة!! 


لقد مللت من الإلحاح عليك سها، لكل رجل منا طاقة قد تنضب مع الرفض، لقد أخبرتك سابقا أنني معجب بك، كما أن الأولاد يتقبلنك و يحبونك! ماذا تريدين بعد كي تجيبي على طلبي ذاك؟! 


ماذا تخبره يا ترى؟! لا تعلم كيف تجيب على سؤاله الصعب ذاك! كيف تخبره أنها تعيش كل يوم في حيرة وقلق! أجل هي تريده، تريد الزواج منه والعيش معه ومع أطفاله اللطفاء! لكن على الجانب الآخر، هناك شقيقتها الصغري علياء! هي التي مسؤولة عنها، بعد أن توفيا كلا والديها، هي التي تهتم بها وتنفق عليها، تعيشان سويا في شقة والدهما الراحل التي تركها لهما، والآن إن حدث ووافقت على تلك الزيجة، كيف ستترك 

شقيقتها تعيش بمفردها في تلك الشقة!! بل السؤال الأهم من الذي سوف ينفق عليها وهي مازالت متخرجة حديثا من الجامعة!! 


رفعت نظرها إليه، تنهدت بتعب، أخبرته بنبرة متعبة، نبرة منهزم في معركة لم يخضها بعد: 


- أنت تظل تصر على معرفتك لسبب تأجيلي اعطائك رأيي في شأن الزواج بك! حسنا سوف أخبرك بالسبب لعلك تهدأ قليلا و تكف عن نظراتك العاتبة وكلماتك اللائمة تلك! الحقيقة أن السبب هو شقيقتي علياء!! 

هل فكرت لحظة واحدة فيما سيحدث إن تزوجتك و تركتها؟! هل فكرت فيها كيف سوف تعيش في شقة بمفردها وهي فتاة في ظل مجتمعا ذاك! أو من الذي سوف ينفق عليها إن حدث وتركت العمل بعد زواجنا!! هل فكرت في كل تلك الأشياء؟! 


لا يصدق ما تفوهت به للتو، تلك الفتاة الحمقاء! كيف تفكر أنه لا يضع وضع شقيقتها في تفكيره؟! هل هو عديم المروءة في نظرها لتلك الدرجة! يطلب منها أن تفترق عن شقيقتها الصغرى بفرقعة اصبع وتتركها وحيدة تنهش بها ذئاب البشر و مأسي الأيام! 


نظر إليها نظرات لأئمة، هز رأسه بعدم تصديق، أخبرها بنبرة عاتبة يشوبها الحزن: 


- هل هذا هو تفكيرك بي سها؟! مجرد رجل تافه عديم الاحساس والمروة يريد تفريق شقيقتين عن بعضهما البعض تحت مسمى زواج! أنا لا أصدق ذلك حقا! تلك هي قيمتي في نظرك سها؟! هنت عليك لتلك الدرجة؟!


كلماته أصابتها بألم في قلبها، نظراته إليها قاتلة، سهام تخترق الصدر، تصل إلى القلب تدميه، فتحت فمها، تريد النفي، انتفضت واقفة، تريد الدفاع عن نفسها، عن حبها الوليد، وجدته يبتعد عنها فجأة، يعطيها ظهره، بدأت الدموع تنهمر على وجنتيها، بكت بصمت، ترددت للحظات في السير نحوه، لكنها فعلت، وضعت يدها على كتفه، أخبرته بنبرة متوسلة، تشكو نفسها إليه: 


- أنت تعلم جيدا أني حمقاء ولا أحسن الحديث في أحيان كثيرة! لذا اعذرني إن تفوهت بكلمات حمقاء سببت لك الضيق، أرجوك انظر إلي، لا تغضب مني!! دعنا نفكر في الأمر سويا! هلا فعلت ذلك من أجلي؟! 


رغم فعلتها المتهورة إلا أنه لا يستطيع أن يشعر بالضيق منها، خاصة بعد اعترافها أنها حمقاء في أحيان كثيرة، أبتسم بخفوت حينما رددت تلك الكلمة، تنهد بتعب، أخرج زفرة حارة من فمه، أنتظر انتهائها من الحديث ثم ببطء شديد ألتف بجسده إليها، واجهها، بينما يرسم على وجهه نظرة ضيق زائفة. 


فوجئ بها تبكي في صمت، الأمر جعله يجفل، لم يدرك ماذا يفعل معها، مد يده وأخذ يمسح تلك الدمعات الهابطة على وجنتيها، أخبره بنبرة حنونة ودافئة قائلاً: 


- حسنا سها، هل كففت عن البكاء من أجلي!! أنت تقتلينني بتلك الطريقة! 


بسرعة شديدة قاطعته، وضعت يدها على فمه، هزت رأسها رافضة بينما تخبره بنبرة محذرة:


- لا سمع الله منك! لا تعد تلك الكلمة مرة أخرى على لسانك! لم تصر على أن تجعلني أشعر بالحزن اليوم؟! 


عاد يتنهد من جديد، يخرج ضيقه، تعبه، يبتسم لها بمحبة ودفء، يقبل أطراف أناملها التي على فمه، لتبعد هي يدها بسرعة كبيرة، بخجل أكبر بينما هو يقهقه بصوت عال، حتى جاءت عدة دقات على باب الغرفة جعلته يرفع حاجبه بتعجب، يتسأل قائلا: 


- من الذي يدق الباب الآن؟!


سألها ذاك السؤال، عاد ليفكر في الأمر، أخبرها بعدها بنبرة متشككة قائلا: 


- هل يمكن أن يكون أخي كاسر؟! كما تعلمين هناك اجتماع بيننا اليوم في الثانية؟!


هزت رأسها نافية، أجابت على تساؤله ذاك قائلة: 


- لا يمكن أن يكون كاسر بكل تأكيد!! ألا تعلم عادته في فتح الأبواب المغلقة دون استئذان!! 


عاد يضحك من جديد على كلماتها المتندرة حول عادة أخيه المزعجة تلك، تنهدت هي تلك المرة بضيق، أخذت تجفف بقايا دموعها جيدا، لتسير بعدها بخطوات متمهلة نحو باب الغرفة، تفتحه ببطء، لتقع عينيها على شخص محال أن يأت هنا يوما لكنه فعل!! 


"علياء! هذه أنت؟! ما الذي جاء بك إلى هنا؟! اقصد كيف أتيت؟! يا الله لا أعلم ماذا أقول ولكنك فاجئتني حقا علياء!!"


هتفت بتلك الكلمات في وجهها، غير مصدقة رؤيتها الآن أمامها، مما جعل الأخرى تتراجع قليلا للوراء بحزن شديد، فهي لم تتصور أن يكون استقبال شقيقتها لها بتلك الطريقة السيئة، حزنها ذاك ظهر على ملامح وجهها مما جعل سها تدرك الخطأ الذي فعلته، سارت نحوها، ضمتها إليها، منحتها عناق دافئ، بينما تربت على ظهرها بحنان ودفء، تخبرها بنبرة هادئة: 


- لم أقصد ذلك حقا، فقط وقع المفاجأة هو ما جعلني أقول تلك الكلمات، لكن الحقيقة هي أنك مرحب بك في كل وقت! أرجوك علياء لا تضايقي مني حبيبتي! 


رؤيته لما حدث للتو، سماعه لها و هي تتحدث مع شقيقتها بتلك الطريقة جعله يهز رأسه بعدم رضا، زفر بضيق و سأم، "هي لن تتغير أبدا، سيظل لسانها أعمى كما يقول المثل! حتى مع أقرب الناس إليها"  ردد تلك الكلمات بداخله، عاد ينظر إلى هاتين المتعانقتين مجدداً، أنصت إليها بينما تقول بنبرة حانية: 


- حسنا ألن تخبريني عن سبب مجيئك إلى هنا؟! لابد أنه سبب مهم للغاية وإلا إنك لن تأت إلى هنا! أليس كذلك علياء؟! 


أنهت عناقها مع شقيقتها بعدما أنصتت إلى كلماتها المتسألة تلك، ابتسمت لها ثم أخبرتها بنبرة حنونة: 


- كنت أريدك أن تكوني أول أحدا يعلم بالأمر! لقد نجحت في الاختبار سها، بدرجة امتياز!! 


شهقة قوية خرجت من فمها، لا تصدق ما تسمعه، شقيقتها قد نجحت في الاختبار وبدرجة عالية!! ذلك حلم ظل يراود عقلها كثيرا! والآن حمدلله هو أضحى حقيقة واقعة! عادت لتحتضنها من جديد ولكن تلك المرة بفرح كبير، تهنأها بنبرة فرحة: 


- مبارك! مبارك لك حبيبتي! حمدا لله على نجاحك ذاك! أخيرا يا الله تم الأمر! أشكرك كثيرا ياربي على هذا الكرم البالغ منك!! 


ضحكات عالية سرت في المكان، كان سببها الفرحة بكل تأكيد، حتى جاسر الآخر أقترب من الشقيقتين، هتف بنبرة دافئة وودودة قائلا: 


- مبارك لك علياء ذلك النجاح الباهر!! 


خرجت من عناق شقيقتها على صوت السيد جاسر الذي هنأها للتو بنجاحها، ابتسمت له بود ودفء ثم أخبرته قائلة بنبرة هادئة: 


- شكرا لك سيد جاسر! 


أخبرته بتلك الكلمات بينما تومئ برأسها إليه ممتنة لتلك اللفتة الطيبة من قبله، بينما سها أخذت تنظر إليهما بحب كبير، فهما أقرب اثنين إلى قلبها في الحياة، نظراتها تلك لم تفت عليه، أراد أن يستغل الموقف لصالحه، لذا هو أقترب منها، وضع يده على كتفها، هتف بصوت مرح قائلا: 


- نحن أيضا لدينا خبرا مفرح لك علياء! 


نظرت علياء بذهول شديد لما يحدث أمامها، لقد كان رئيس شقيقتها في العمل يقترب منها بطريقة حميمية، يضع يده على كتفها في تصريح منه بالامتلاك، يخبرها عن وجود نبأ سعيد لها، هي خمنت الأمر لكنها أرادت أن تتأكد من ظنها ذاك، نظرت إليهما بترقب، منتظرة تصريحه القادم بعدها! 


بينما الأخرى لم تصدق ما فعله هو للتو، ذلك العرض أمام شقيقتها فاجئها للغاية! لم تتوقع منه ذلك التهور، شهقة خافتة خرجت من فمها، حاولت إبعاد يده عن كتفها، لكنه لم يدع لها الفرصة لذلك، عاد يصرح بنبرة هادئة و واثقة قائلا: 


- نحن سوف نعلن خطوبتنا عن قريب علياء، ألن تقدمي لنا التهاني؟! 


لقد صدق ظنها إذن، شقيقتها سوف ترتبط برئيسها! صرخة عالية صدرت منها رغما عنها، اقتربت منها بسرعة كبيرة، أخذتها في عناق قوي، أخبرتها بنبرة فرحة قائلة: 


- مبارك سها! مبارك! لا أصدق الأمر! لم لم تخبريني عن الأمر سابقاً سها؟! حسنا الأمر لا يهم الآن!! مبارك لك حبيبتي!  


تلك كانت ضربة قاضية منه، لقد حسم الأمر بنفسه، أعلن عن خطبتهما سويا، لم ينتظر أن تمنحه الموافقة، شعرت بالضيق منه، هو أراد وضعها تحت الأمر الواقع، أرادت أن تعاتبه على ذلك، لكن نظراته المحذرة لها، كلمات شقيقتها المهنئة هي ما منعتها من ذلك، بهدوء هي ربتت على ظهر شقيقتها، أخبرتها بنبرة حنونة: 


- بارك الله فيك حبيبتي! العقبى لك! أما عن مسألة عدم إخبارك بالأمر! فأنا كنت انتظر تخرجك من الجامعة ومن ثم كنت سوف أخبرك بكل تأكيد! 


خرجت من عناقها، أومأت إليها بإقتناع، أخبرتها بنبرة هادئة ودافئة قائلة: 


- حسنا سوف اسامحك على ذلك بالطبع! لك عقابا لك على ذلك


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية المال مقابل القلب

رواية عندما يعشق الرجال للكاتبه قسمة الشبيني المقدمه والفصل الأول

قصة الزوج المسافر فاطمه الألفي

قصة زهرة الخريف فاطمه الألفي