قصة جاني بعد يومين لاحسان
قال جانى بعد يومين
يبكي لي بدمع العين
يشكي من حب جديد
يحكي وأنا ناري تقيد
كانت تدندن مع الأغنية، شفتاها تتحركان ببطء، وصوتها يخرج كهمس بالكاد يُسمع. تمسك بيدها سكينًا حادة، تقطع بها ما استطاعت من اللحم، ثم تمد يدها وتضغط على زر تشغيل المنشار الكهربائي عندما تصبح بعض القطع أكثر مقاومة. يعلو صوته للحظات ثم يخفت، كما لو كان على دراية بما تفعله.
استمرت في التناوب بين السكين والمنشار، وبين الحين والآخر تلجأ إلى الساطور. كانت تضع القطع بعناية داخل أكياس بلاستيكية، وتودعها في المجمد، بينما أبقت قطعًا أخرى في وعاء خاص.
مسحت حبات العرق المتساقطة عن جبينها من شدة التعب. ودّت لو تتمدد قليلًا في سريرها، لكنها لا تملك رفاهية ذلك؛ عليها أن تنهي العمل وتضع كل شيء في المجمد. هذا النوع من اللحوم يُصدر رائحة عفنة إن لم يُبرّد سريعًا بعد تقطيعه، ولا أحد هناك ليساعدها.
اكتفت بارتشاف كوب من الماء البارد، ثم عادت لتكمل مهمتها، وهي لا تزال تهمهم مع الأغنية.
بعد وقت، كانت قد أشرفت على الانتهاء. نظرت بعين رضا إلى قطع اللحم المكدّسة؛ طازجة، شهية، من دون شك أنهم سيلتهمونها بنهم... دون أن يهتموا إطلاقًا بماهيّتها.
فجأة، تسلّل إليها شعور بالفزع. بدأت تسمع همهمات وأصواتًا متداخلة، غير واضحة، وكأنها قادمة من جدران المنزل. أرهفت السمع جيدًا لتحديد المصدر. كانت متأكدة أنها وحدها.
صوت خطوات بطيئة راح يقترب، حتى صار خلفها مباشرة.
شعرت بأنفاس ساخنة تلامس رقبتها. تيبّست في مكانها.
ثم همس الصوت في أذنها:
"ألا تفكرين في التذوق؟ هذا النوع من اللحوم... يكون طريًا جدًا."
شهقة حادّة جعلتها تستيقظ من نومها، كما لو كانت غريقًا عاد إلى الحياة.
مدّت يدها تتحسّس الطاولة المحاذية للسرير. التقطت قارورة الماء وارتشفت منها بهدوء، محاولة تهدئة أنفاسها. لم تتذكّر ما رأته بالتفصيل، لكنها كانت متأكدة أنه كان مرعبًا. شعور الانقباض في صدرها لم يختفِ بعد.
بدأت تبحث عن هاتفها. رفعت الوسادة جانبًا فوجدته هناك، يصدر منه صوت أغنية، يبدو أنها اشتغلت بالخطأ. كانت مألوفة جدًا، لكنها لم تركز فيها. أغلقت الهاتف دون أن تنظر إلى الشاشة، ثم جلست على حافة السرير.
فركت عينيها، محاولة طرد آثار النعاس. نظرت مجددًا إلى الهاتف، وجدت أن الوقت لا يزال باكرًا، غير أنها قررت النهوض، فهناك الكثير من الأعمال بانتظارها.
بعد برهة من الوقت، كانت قد انتهت من ارتشاف قهوتها، وتعابير وجهها تتبدّل وهي تنتقل بين صفحات الرواية، كما لو كانت تعيش الأحداث. شهقةٌ خفيفة أفلتت منها وهي تقرأ أحد السطور، ثم أعادت قراءته بصوت مرتفع:
«لم تكن لارا لتتوقّع أنها ستأكل لحمًا ألذّ وأطرى من هذا... لسوء حظّها أنها لم تجرّب اللحم البشري من قبل!»
تلاشت صدمتها سريعًا، وهمست وكأنها تواسي بطلة القصة
"هو من جنى على نفسه"
نظرت إلى الساعة، لتجد أن الوقت بدأ يداهمها. تركت الرواية مكرهة، على أمل أن تستأنف قراءتها لاحقًا. أمسكت هاتفها، وشغّلت أغنية بشكل عشوائي، ثم شرعت في إنجاز مهامها.
**وأنا اللي كنت فاكرة إنه هايشتكي من بُعدي،
فاجأني بقصة تانية ضيّعت الحلم الوردي.**
كانت كلمات الأغنية تصدح من مشغل الموسيقى، بينما تقوم هي بترتيب المنزل، ووضع اللمسات الأخيرة.
وقفت ثانية تنظر للمكان بعين رضا، قبل أن تنتقل إلى المطبخ لتُحضّر ما لذّ وطاب لزوجها وحبيبها عمر، الذي سيصل غدًا من سفرٍ دام سنة.
عمر هو أول حب في حياتها، وكما يقال، كانت قصتهما ملحمية، تُشبه الروايات، وتحدّت كل الصعاب.
سرحت بخيالها في ذكرياتهما معًا؛ عمر وهي، كلاهما يتيمان، ولا يملكان غير بعضهما البعض.
ونتيجة لذلك، قرّرا الإسراع في الزواج، حتى وهو لا يملك التكاليف ولا المهر.
بل تنازلت حتى عن خاتم الزواج، وتزوجت بخاتم ذهبٍ مزيف.
حتى المنزل الذي يعيشان فيه يقع في منطقة نائية، تكاد تكون مهجورة خارج المدينة.
ومع ذلك، لم تشتكِ يومًا من عيشتها، ولم تُشعر عمر بأنه مقصّر.
كانت فقط تريد أن تكون معه.
وها هو الآن عائد، ولابد أنه سيعوضها.
**"وأنا اللي كنت فاكرة إنه هايشتكي من بُعدي..."**
كان صوت سميرة سعيد لا يزال يترنم بشجن.
أخذت تدندن مع الأغنية بصوت خافت، وهي لا تدري ما سر هذه الأغنية التي صارت تحب سماعها مؤخرًا؛ ربما يكمن السر في صوت سميرة الذي تعشقه.
انتهت من تجهيز صنف من الأكلات الشهية، جميعها مفضلة لدى عمر.
أخيرًا، صارت في سريرها بعد يومٍ مرهق.
أخذت هاتفها، فتحت أحد التطبيقات التي تتيح الاتصال صوتًا وصورة، ثم اتصلت به.
طال انتظارها دون رد، فأرجعت السبب لضعف الشبكة، ربما.
قررت المحاولة مرة أخرى باتصال صوتي. مرّت الثواني مجددًا دون رد.
بدأت تفرك أصابعها بتوتر، وهي تقنع نفسها أنه ربما نائم، أو لم يسمع رنين الهاتف.
أخيرًا، جاءها صوته. شعرت أن به شيئًا من الفتور:
– أهلاً مريم.
– اشتقتُ لك كثيرًا... لو تعرف مدى حماسي لرؤيتك! أخيرًا! تعرف؟ أشعر أن دقات قلبي ستخرج من مكانها من فرط السعادة والحماس، كما لو كان أول موعد لنا!
– أنا أيضًا… نلتقي غدًا. تصبحين على خير.
أغلق الخط دون أن ينتظر ردًّا منها.
شعورٌ بالقلق بدأ يتسلل داخلها، لكنها قررت تجاهل الأمر.
تصفّحت هاتفها قليلًا، قبل أن تغطّ في نومٍ عميق.
لا تدري متى استيقظت، ولا كيف وصلت إلى هنا.
تقف وسط قاعة مطعم فاخر، أقلّ ما يقال عنه إنه ملكي؛ الجدران مكسوّة بالمرايا المصقولة، وتتدلّى من السقف ثريّات بلورية تُلقي وهجًا ذهبيًا على الطاولات البيضاء اللامعة.
الأضواء خافتة، موسيقى كلاسيكية ناعمة تكاد لا تُسمع، ونادل بعيد يقف جامدًا كتمثال.
ترتدي فستانًا أحمر مخمليًا، يلتصق بجسدها كما لو خُيط خصيصًا لها، وشعرها الأسود ينزلق بحرية أسفل ظهرها.
مشت بخطوات ثابتة، لا يُسمع سوى صوت كعبيها يطرق الأرضية الرخامية، ودندنة أغنية لا تدري أين سمعتها من قبل.
اقتربت من الطاولة، وهي لا تصدق ما ترى:
عمر يجلس هناك، برفقة امرأة أخرى.
تضحك له، وتطعمه قطعًا من اللحم.
وهو؟ يلوكها ببطء… مستمتعًا، دون أن ينتبه لها.
بدأت الرؤية تضطرب، والأضواء تزداد سطوعًا بشكل مؤلم.
أغمضت عينيها محاولة تفادي الوهج.
وعندما فتحتهما لم تكن هناك.
كانت في منزلها. في المطبخ.
الفوضى تعمّ المكان.
الجدران، الأرضية، كل شيء ملوث بالدماء.
قطع من اللحم متناثرة هنا وهناك.
وهي؟ تقف بهدوء، تشوي بعضًا من تلك القطع.
الأغنية ذاتها لا تزال تتردد في الخلفية، قادمة من مكان بعيد.
صوتها بات قريبًا جدًا، والكلمات صارت واضحة.
"وأنا اللي كنت فاكرة هيشتكي من بعدي..."
بحثت في المطبخ عن مصدر الصوت.
لا بد أنه هاتفها... لكن أين هو؟
خرجت من المطبخ، متوجهة إلى غرفة الاستقبال.
وفي الممر، لمحت أثرًا مريبًا:
خيط دمٍ داكن يمتد فوق البلاط، كما لو أنّ جسدًا ثقيلاً جُرّ بعنف عبر الأرضية.
توقف صوت الغناء فجأة، ليحل محله صوت رنين مزعج.
من المؤكد أنها تعرف هذا الصوت... لكنها، كالعادة، لا تدري أين سمعته.
استمر الصوت في الارتفاع، حتى استيقظت فجأة، وهي تتصبب عرقًا.
لا تملك أدنى فكرة عن سرّ الكوابيس التي باتت تلاحقها، والأغرب أنها لا تتذكّر أي تفاصيل، فقط شعور بطبقٍ على صدرها لا تعلم ماهيّته.
انفرجت أساريرها حين تذكّرت أن اليوم هو موعد وصول عمر، وكأن تذكّرها هذا جعل النشاط يدبّ فيها. نهضت بحيوية ونشاط، وهي تدندن بينما تقوم بروتينها الصباحي.
وقفت أمام الخزانة لتختار ما سترتديه، بينما لمحت الرواية التي كانت تقرؤها موضوعة على الطاولة. راودتها رغبة في القراءة قليلًا، لكنها سرعان ما صرفت الفكرة؛ فأجواء الرواية لا تناسب يومًا كهذا.
راحت تنتقي ملابسها بعناية، راغبة في أن يراها عمر في أبهى حُلّة.
ارتدت فستانًا خفيفًا بلونٍ هادئ، مزين بنقوش صغيرة من الزهور، يناسب أجواء الربيع. وضعت بعضًا من الزينة الخفيفة على وجهها، ورشت بعضا من العطر بينما تركت شعرها منسدلًا بحرّية ثم انطلقت إلى الخارج.
وصلت إلى المطار، قلبها يخفق بتسارع، تنتظر قدومه بشغف، والوقت يمضي بثقل، كأن الثواني ترفض أن تمضي.إلى أن لمحته أخيرًا
لا يزال يحتفظ بنفس الوسامة، رغم لحيته غير المهذّبة وشعره الذي اكتسب بعض الطول.
ركضت نحوه، وكأنها تمشي فوق السحاب، ثم تشبّثت بعنقه بقوة.
في تلك اللحظة، كانت تعيش أسعد لحظات حياتها. يمكنها أن تقول، من دون تردّد، إنها المرأة الأسعد في العالم.
لكن صوته أعادها فجأة إلى الأرض:
-على رسلكِ الناس يتفرّجون علينا.
-لا يهمّني، أنت زوجي، ويحقّ لي أن أفعل ما أريد!
ضمّته من جديد، ثم تركته بهدوء، غير مبالية بالنظرات الموجّهة نحوهما، والتي تنوّعت بين الإعجاب والاستغراب وبعض من النفور.
أثناء عودتهما في الطريق، كانت تتحدث بحماسة وهي تمسك بيده، تخبره بما خططت له بكل حيوية.
كان ينظر إليها أحيانًا، يرسم ابتسامة حاول أن تبدو طبيعية، ويرد بكلمات مقتضبة.
حتى قالت فجأة، وهي تنظر إليه بحيرة:
-أشعر أن بك شيئًا.
أجابها وهو لا يزال مستمرًا في القيادة:
-غير صحيح، فقط إرهاق السفر وأيضًا، يجب أن أركّز في القيادة.
شعور طفيف من الذنب تسلّل إليها؛ أخذتها الحماسة لدرجة أنها نسيت أنه سيكون مرهقًا.
ربّتت على كفه برفق، وتابعت بنبرة حنونة:
-ما رأيك أن نبدّل، وأقود أنا؟
-لا داعي لذلك، لقد شارفنا على الوصول.
توقّفت السيارة أمام منزل من طابقين، يقف وحيدًا في نهاية الطريق الفرعي، بعيدًا عن العمران، دون جيران قريبين أو حركة تُذكَر حوله. بُني بتصميم بسيط، ويحيط به سورٌ متوسط الارتفاع، تتوسّطه حديقة تركت على سجيتها.
ترجّلا من السيارة، فبادرها قائلًا وهو يتفحّص المكان:
-ألم تشعري مطلقًا بالخوف هنا؟
أجابته بنبرة مرحة:
-يبدو أنك نسيت أن زوجتك بطلة فنون قتالية! ثم إن أصدقائي يحمونني دائمًا.
رفع حاجبيه ساخرًا:
-تقصدين الكلاب؟ حسنًا جيد أن تحظي برفقة هنا.
ضحكت، واقتربت منه أكثر:
-والآن، بما أنك هنا، كل شيء سيصبح مختلفًا.
دلفا إلى الداخل، وصعدا مباشرة إلى الطابق العلوي.
أشعلت الأنوار وهي تنظر إليه بترقّب؛ لقد حرصت أن يكون كل شيء على قدم وساق، كما يحبّه تمامًا.
كانت تنتظر أي رد فعل منه، كطالبة تترقّب نتيجة امتحان مصيري، لكنّه تقدّم بضع خطوات فحسب، يقلب عينيه بين أرجاء المكان بينما كان ذهنه شاردا في مكان آخر.
قررت كسر حاجز الصمت، وقالت له بابتسامة تحاول أن تخفي توترها:
-ما رأيك بتصميم المنزل؟ حرصت أن يكون كل شيء كما تحب.
اقترب منها فجأة، ووضع قبلة ناعمة على شفتيها.
شعرت بقلبها يرفرف كالعصافير، وكأنها تستيقظ من صمت طويل.
همس لها بنبرة حنونة:
-كل شيء منك جميل، حبيبتي.
ابتسم لها وهو يبتعد متوجها نحو الحمّام المرفق بغرفتهما، لكن لفت انتباهه كتابا موضوعا فوق المنضدة.
أمسكه بفضول، وقال مبتسمًا:
-ما زلتِ مهووسة بالروايات المرعبة!
أجابته بحماس وهي تقترب منه:
-تعلم كم أحب هذا النوع، فهو مشوّق جدًا، ويجعل الأدرينالين يرتفع!
ثم أضافت بعينين متّقدتين:
-أتَعلم؟ البطلة قامت بتقطيع زوجها لدي فضول قاتل لأعرف كيف تخلّصت من الجثة.
ردّ دون أن يُبدي أي اكتراث:
-من المؤكّد أنها استعملت حمض الهيدروفلوريك أو أي نوع آخر!
أما هي، فتوجّهت لتضع اللمسات الأخيرة على طاولة العشاء.
لم تنسَ إشعال بعض الشموع لتكتمل الأجواء الرومانسية. وبعد أن تأكدت من أن كل شيء في موضعه، راحت تتصفّح قائمة الموسيقى في هاتفها.
ظهرت أغنية "قال جاني بعد يومين" كخيار أول.
لا تدري لِمَ ارتجف قلبها، لكنها سرعان ما حدّثت نفسها بنبرة مرحة:
"ليس وقت النكد يا سميرة، عليّ اختيار موسيقى هادئة ورومانسية!"
اختارت موسيقى مناسبة، ثم قصدت الخزانة لتنتقي ملابس تليق بالسهرة.
وقع اختيارها على فستان أحمر بأكتاف مكشوفة، ينساب برقة على جسدها، ويُبرز أنوثتها بهدوء دون مبالغة.
انضمّ إليها بعد لحظات، بعدما بدّل ثيابه، وما زالت قطرات الماء تتسلل من شعره.
جلسا إلى المائدة، وتناولا العشاء في هدوء، يتبادلان أطراف الحديث من حين لآخر.
لكنها كانت تحاول، في كل مرة، أن تبتلع الغصّة التي تستقر في صدرها.
كل ما به يخبرها أن هناك شيئًا ما ليس على ما يرام.
عُمر الذي تعرفه كان يُمطرها بكلمات الغزل...
أما هذا الجالس أمامها، فقد اكتفى بكلمات مجاملة، تفتقر إلى أي روح.
رغم ذلك، آثرت ألّا تفسد ليلتهما، وأرجأت الأمر لوقت لاحق.
بعد ساعتين، كانت الأجواء تتسم بالهدوء إلا داخلها.
هناك، كان كل شيء يشبه بركانًا ثائرًا، يستحيل إخماده.
ظلّت تنظر إلى السقف في صمت، بينما هو استدار إلى الجهة الأخرى، وقد دثّر جسده بالكامل، دون أن ينبس بكلمة.
حاولت إقناع نفسها أن الأمر لا يتعدّى التعب لكن كل شيء كان يوحي بالعكس: لمساته الباردة، تجنّبه النظر في عينيها، حضوره الجسدي الخافت شعورها بأنه مجرد واجب هو مجبر عليه!
بدأت تفرك أصابعها بتوتّر، بينما تتساقط عليها التساؤلات بلا هوادة. حاولت إلهاء نفسها عبر قراءة روايتها المفضلة، لكن عينيها كانت تقلب الصفحات دون تركيز. وما زاد من غيظها أنه كان ينام بهدوء. كأن شيئًا لم يحدث.
حلّ الصباح، وهي لا تزال جامدة في مكانها، نفس الوضعية، نفس التفكير.
شعرت به يتقلّب في الفراش، قبل أن يفتح عينيه ويقول بنبرة يثقلها النعاس:
- صباح الخير أراكِ مستيقظة باكرًا اليوم.
قابلته بنظرة من عينيها المنتفختين، وقالت بنبرة هادئة
-سأسبقك إلى الخارج لأحضّر القهوة علينا أن نتحدّث.
رمش ببطء، تمطّى قليلًا، ثم علّق بنبرة متضجرة:
- نتحدّث؟ الآن؟ في هذا الوقت المبكر؟ ألا يحتمل الموضوع بعض التأجيل؟
حدّثت نفسها بسخرية موجعة:
"هو حتى لم يلاحظ انتفاخ عينيّ من البكاء!"
ثم ردت عليه بنبرة حاسمة:
- لا الموضوع لا يحتمل التأجيل.
بعد لحظات، كانت تنتظره على الأريكة، تحتسي قهوتها ببطء.
فور دخوله، وضعت الفنجان أمامه دون أن تنبس بكلمة.
ثم أخذت رشفة أخرى، وهي تستنشق رائحة القهوة،
كما لو أن عطرها سيساعدها على انتقاء الكلمات المناسبة.
استجمعت شتات نفسها، تنفّست ببطء، ثم قالت بصوت هادئ متماسك:
-أنا وأنت تعوّدنا أن نكون على طبيعتنا، أن نفصح عمّا بداخلنا دون تحفظ
تقلصت عضلات وجهه للحظة** قبل أن يجيبها، **وكان صوته أبطأ من المعتاد** كما لو أنه يختبر كل كلمة قبل خروجها:
-أنتِ محقّة لكن ما الذي جعلكِ تقولين هذا الآن؟
رمقته بعينين تملؤهما الحيرة
-بك شيء مختلف أنت لست عمر الذي أعرفه. ولا تقل لي إنني أتوهم. أخبرني هل هناك مشكلة في العمل؟
ثم وضعت يدها على فمها فجأة، وقد بدت على ملامحها صدمة عابرة:
- هل تعاني من مشكلة صحية؟!
أجابها مطمئنًا:
-لا تقلقي، صحتي على ما يرام، وكل شيء في العمل بخير.
تنفّست الصعداء بعد تأكّدها أنه بخير، لكن السؤال الحقيقي ظلّ معلقًا بينهما. نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بهدوء:
-إذا ماذا هناك
طال صمته. دمعة خجولة وجدت طريقها إلى وجنته، قبل أن يتمتم بكلمات متلعثمة
-لا أعرف كيف حصل هذا آخر شيء أريده هو أن أجرحك.
ضمت قبضة يدها بقوة، محاولة إخماد تهدئة أعصابها. سؤال واحد كان يضغط عليها، هل مافهمت صحيح ارتعبت من سؤاله، ترغب في الهرب الآن لم تعد تريد معرفة شيء لكنها سألته رغم كل حال:
-هل أقمت علاقة مع امرأة أخرى
أدار وجهه بعيدًا، يهرب من عينيها، ثم قال بنبرة منخفضة -ليس هذا فقط
-ماذا تقصد؟
قالتها بذهول، ثم أدارت وجهه ناحيتها، وصوتها يرتجف:
-انظر إليّ أخبرني، ماذا تقصد؟
وقف، يهرب من مواجهتها، لكنه تمتم بنبرة شبه هامسة:
-صدقيني لا أدري كيف وقعتُ في حبّها.
هكذا، ببساطة جارحة، قالها،وقع في حب امرأة أخرى.
لم يكن الأمر ضمن خططه، ولم يسعَ إليه كما قال لكنه لا يملك سلطانًا على قلبه.
هو نفسه لا يجد تفسيرًا منطقيًا لما حدث، كل ما يعرفه أن تلك المرأة استحوذت عليه على كل شيء فيه.
تابع بنبرة مؤكدة:
-كل حقوقك محفوظة سواء أردتِ الاستمرار أو الانفصال.
صدقيني، لن أنسى وقوفك إلى جانبي.
يا لشهامته
كانت تستمع إليه بذهنٍ مشوّش، كأن صوتًا غريبًا يردّد تلك الكلمات بدلًا عنه.
عيناها صارتا زجاجيتين، جامدتين، لا تدري من الجالس أمامها.
ثم خرج صوتها خافتا:
-منذ متى وأنت تخونني؟
همّت بالوقوف، لكنها ضغطت على الهاتف دون قصد، فانطلقت أغنية فجأة:
"يشكي من حب جديد، يحكي وأنا ناري تقيد."
ارتسمت ابتسامة ساخرة على محياها، ثم تحولت إلى قهقهات عالية.
نظر إليها باستغراب، ثم تابعت بين ضحكاتها:
-الأغنية كانت تخبرني بما سيحصل، فها أنت ذا تشتكي من حب جديد!"
تحولت نبرتها فجأة إلى نبرة باردة:
-لا أريد رؤيتك مجددًا.
لا تدري كم من الوقت مرّ وهي على نفس الهيئة، منذ لحظة رحيله.
جسدها جامد، نظراتها معلّقة في الفراغ، وكل ما فيها غائب.
شيئًا فشيئًا، بدأت مشاهد مبعثرة تتسلل أمام عينيها، كأنها أطياف عابرة.
تارةً، ترى نفسها واقفة في مطبخ غارق بالدماء… وتارةً، تجد نفسها في مكان فخم، تتجمّد وهي تلمح عمر برفقة امرأة أخرى.
الآن فقط بدأت تدرك… يا لسخرية القدر، حتى أحلامها كانت اول تنبيهها!
لكن ماذا يحدث لها بالضبط؟
هل بدأت تهلوس؟
ثم فكّرت بمرارة: حتى لو كانت هلوسة… فالواقع أن زوجها مجرد خائن
تقف أمام المرآة، تتأمل هيئتها كما لو كانت تستمدّ القوة من انعكاسها.
لا أحد يعلم كيف مرّت الشهور بثقل عليها، لكنها لم تهدرها سُدى.
لم تفعل بها شيئًا سوى قراءة روايتها المفضلة، تلك الرواية ذات الطابع الدموي المرعب.
لكن هذه المرة، كانت تقرأ بفكر متقد، تركز مع كل تفصيلة في السرد، كأنها تبحث عن شيء بعينه.
ومن حين إلى آخر، تتصفح بعض مواقع التسوق.
نظرت إلى ساعتها؛ لم يتبقّ وقتٌ طويل على قدومه.
رغم كل شيء… هما يستحقان نهاية مُرضية.
لم تمضِ سوى لحظات حتى سمعت صوت جرس الباب.
نهضت، وذهبت بخطى متزنة لفتحه.
طَبعت قبلة هادئة على خده، ثم دعته للدخول.
توجّه كعادته نحو الطابق العلوي، قبل أن تقاطعه بنعومة:
-هذه الليلة أرغب أن نكون في الأسفل.
استغرب طلبها؛ فذلك الطابق غير مجهز، وليس مريحًا كما تعوّدا.
لكن ذلك لم يكن ما أدهشه فحسب
هي نفسها بدت مختلفة، أكثر هدوءًا، وأقل توترًا، وكأنها شخص آخر.
رغم كل شيء، لم يُعلّق. فقط انصاع لها، ولحق بها في صمت.
كانت الغرفة خالية إلا من طاولة تتوسّطها، وكرسيين متقابلين.
ضوء خافت ينسلّ من المصباح، وشرارات الشموع المتقدة تتراقص بهدوء في زوايا المكان.
تلفّت حوله، ولم يدرِ ما إذا كانت تلك الشموع تضفي على الأجواء لمسةً من الرومانسية أم من الرعب.
قطعت شروده قائلة:
-أعلم أنك مستغرب لماذا نحن هنا، لكن اعتبر الأمر تجربة جديدة. كل شيء في الحياة يحدث لأول مرة
ناولته الطبق بصمت وجلست تنظر إليه بأعين مترقبة!
-اللحم لذيذ جدًّا لم يسبق لي أن تذوّقتُ شيئًا طريًّا ولذيذًا هكذا.
أعرف أنّكِ طباخة ماهرة، لكن هذه المرّوطة هناك سرّ ما.
-أهي توابل جديدة؟
قالها وهو يلوك قطعة بين أسنانه، بعينين نصف مغمضتين من المتعة.
ارتخت زوايا فمها قليلا، قبل أن تردّ بنبرة هادئة:
-مخطئ السرّ ليس في التتبيلة، بل في شرائح اللحم نفسها.
هذا النوع أكثر لذّة، وأكثر طراوة.
بدأت تطرق على الطاولة بدقات بدت كإيقاع موسيقي. أثار تصرفها دهشته، ورغب في سؤالها، لكن الحروف وقفت عاجزة بعد أن شعر بتورم في لسانه، إضافةً إلى بقع حمراء بدأت تظهر في مختلف أنحاء جسده. نظر إليها بعيون متسائلة، بينما كانت تنظر إليه ببرود، ثم تابعت بصوت جاف:
-لا بد أن الفضول ينهشك وتريد معرفة ماذا يحصل. ولأنك لا تزال تملك بضع دقائق قبل أن تصل إلى صدمة الحساسية، سأجيبك على كل تساؤلاتك.
-بالطبع، فهمت الآن أنك تعرّضت لتحسس من الفول السوداني. وتعرف الأعراض، فلا داعي لأن نطيل في هذا الجزء.
ثم توجهت نحوه بخطوات هادئة وهمست في أذنه:
-لننتقل إلى "اللحم الطري". لا أخفيك سرًا، حتى أنا لم أتوقع أن يكون لحم حبيبتك لذيذًا إلى هذا الحد. يبدو أن لارا كانت محقة... اللحم البشري أكثر لذاذة وطراوة، حتى لو كانوا أوغاد
بدأت معدته تتقلص، واستفرغ ما في جوفه، لتعلق ببرود:
-عزيزي، بهذا الشكل ستُسرّع من الأعراض، ولن يتسنى لي الوقت لأخبرك كيف فعلت ذلك.
-حسنًا، أعترف لم أصل إليها بسهولة. تطلّب الأمر جهدًا كبيرًا لأعرف هويتها، واستعنت بالذكاء الاصطناعي. لتظن أنك من طلب منها القدوم إلى هنا، بعد أن رحلت زوجتك الغبية.
كان ينظر إليها وعيناه متسعتان من الرعب، وبدأت أنفاسه تتقطع.
عادت إلى مقعدها، تطالعه بتعبيرات جامدة قبل أن ترتسم ابتسامة خافتة على محياها، ثم تابعت ببرودة:
-لا تنظر إليّ هكذا، عزيزي لقد كان اقتراحك، أليس كذلك؟
-ألم تقل إن بطلة القصة استعملت حمض الهيدروفلوريك؟
- لقد كنتَ محقًا، وذاك ما حدث بالفعل.
توقفت قليلاً، ثم أضافت بهدوء:
-حسنًا، لا أنكر أن الأمر كان صعبًا. اضطررتُ إلى اللجوء إلى السوق السوداء، ودفعتُ مبلغًا باهظًا…
- لكن لا بأس، كله من مالك، زوجي العزيز.
رفعت عينيها إليه وقالت بسخرية:
-ألم تقل إنك ستُعَوّضني؟
سقط من الكرسي، وبدأ العرق يتساقط منه بغزارة.
يشعر وكأن سكاكين تمزّق أحشاءه.
تلك المجنونة… فعلتها حقًا! نفّذت ما قرأته في تلك الرواية الملعونة!
-كان من المفترض أن تكون قد لفظت أنفاسك في هذه اللحظة،
لكن على ما يبدو لحم عاهرتك مدّك ببعض القوة.
قالتها بسخرية، ثم أمسكت بهاتفها، وشغّلت أغنيتها المفضّلة، وبدأت تغني بصوت جهوري:
> قال جاني بعد يومين
يبكي لي بدمع العين
يشكي من حب جديد،
يحكي وأنا ناري تقيد
وسمعته وفكري شريد،
وسكتت وقلبي شهيد
شايفين الظلم يا ناس.
ده حلال ده ولا حرام؟
آه من جرح الإحساس،
دي آلامه أشد آلام
أوصيك بالصبر يا قلبي،
ده غرامه طلع أوهام
ومع انتهاء الأغنية كان قد لفظ أنفاسه الأخيرة.
خيّم الصمت على المكان، ولم يُسمع سوى صوت كعبها يطرق الأرض مع كل خطوة تقترب بها منه.
انحنت قليلًا، ومرّرت أصابعها برفق على رقبته؛ تأكدت من عدم وجود أي نبض.
عادت أدراجها نحو المطبخ، بخطوات هادئة، ثابتة.
فتحت أحد الخزائن، وأخرجت ما ستحتاجه:
قفازات مطاطية، معطف واقٍ، سكين طويلة حادة، منشار كهربائي، أوعية من البولي إيثيلين.
ابتسمت بتهكُّم حين تذكرت محادثتها مع أحد برامج الذكاء الاصطناعي.
أوهمته حينها بأنها تكتب قصة.فقام ببساطة بإخبارها بنوع الوعاء الذي ستحتاجه وساعدها أيضا في كيفية التصرف.
ثم أخرجت مجموعة من الأكياس البلاستيكية.
بعدها توجّهت إلى قبو المنزل، وعادت وهي تحمل غطاءً مشمّعا، فرشته على الأرض بعناية.
سحبته ببطء حتى استقر جسده فوق الغطاء. ارتدت المعطف والقفازات، ثم شرعت في العمل.
نظرت إلى جسده المسجّى أمامها بتأمّل.
رفعت السكين الطويلة، وتمتمت بنبرة واثقة:
-الأعضاء الكبيرة أولًا
انحنت، وبدأت تمرّر السكين على الجلد، تشقّ طريقها بثبات عبر اللحم والأنسجة حتى انكشفت العظام.
حينها فقط، أمسكت بالساطور وهوت به بقوة على المفصل.
كانت تُناوب بين السكين والساطور، بحذر وإتقان، ومن حين لآخر تلجأ إلى المنشار الكهربائي، خصوصًا عند عظام الفخذ الثقيلة.
تنهدت بعمق بعد أن أنهت ما كانت تفعله، لم تعرف كم من الوقت مضى وهي منهمكة في التقطيع. نظرت إلى الأوعية المكدسة بقطع اللحم، ثم رفعت الغطاء المشمع ببطء، مائلة إياه حتى تجمعت الدماء في زاوية واحدة، سكبته في وعاء خاص وأضافت كمية كبيرة من ماء الأكسجين قبل أن تحمله إلى المرحاض وتصرفه.
عادت لتنظيف المكان، نزعت المعطف والقفازات، وصعدت إلى الطابق العلوي.
بدأ الإنهـاك يسيطر عليها، ودَت لو تستسلم للنوم العميق، لكن هذا الخيار لم يكن مطروحًا.
توجهت إلى المطبخ، صنعت لنفسها عصير فواكه وبعض الشطائر، وعندما استعادت نشاطها عادت إلى الأسفل مرتدية معطفًا مطاطيًا جديدًا، وقفازات إضافية، وكمامة تغطي فمها وأنفها، مع نظارات واقية من نوع خاص. فتحت التهوية بعناية، ثم أمسكت عبوة حمض الهيدروفلوريك بحذر بالغ، وسكبته ببطء فوق قطع اللحم المكدسة، حيث بدأ الحمض يذيب الأنسجة ببطء تحت أنظارها المتثاقلة.
تذكرت أن العملية ستستغرق وقتًا طويلاً حسب ما قرأته، فتركت قطع اللحم تذوب بهدوء تحت تأثير الحمض. أغلقت الأوعية بإحكام، فتحت التهوية، ثم صعدت ببطء إلى الطابق العلوي لتأخذ قسطًا من الراحة.
استيقظت بفزع، أنفاسها متقطعة وظاهرة. جلست غارقة في أفكار مشتتة، غائبة عن الوعي لوهلة قبل أن تدرك أن كل ما عاشته لم يكن كابوسًا بل حقيقة. نظرت إلى الساعة التي كانت تشير إلى الخامسة صباحًا، فهمت أنها نامت لما يقارب السبع ساعات.
توجهت إلى الثلاجة، أخرجت شريحة اللحم التي احتفظت بها بعد أن أزالت عنها الجلد، ثم كيسًا آخر يحوي قطعًا مختلفة من اللحم. وقفت لوهلة، تتأمل ما بين يديها وتتساءل في سرّها: هل يمكن أن يكون اللحم البشري لذيذًا حقًا؟
بعد دقائق، عادت إلى الطابق السفلي، وهي تلوك شيئا دون أن تفصح تعبيرها عن أي شيء
تفحّصت المكان بعينين متأهبتين؛ كان الحمض قد أنهى مهمته، وساعدت برودة الجو على كبح أي رائحة من الانبعاث.
لم يتبقَ الآن سوى التخلص من البقايا.
بدأت بنقل الأوعية إلى المرحاض، تتوقف بين الحين والآخر لتلتقط أنفاسها. أضافت مادة خاصة لتحييد الحمض، وانتظرت حتى هدأ التفاعل، ثم بدأت تصب المحتوى في البلاعة على دفعات، بحذر وصبر.
تنفست الصعداء حين انتهت أخيرًا. غادرت إلى الخارج وهي تحمل كيسًا من اللحم، نادت بصوت جهوري:
غوست! كيارا!
لم تمضِ لحظات حتى قدما، يتسابقان نحوها، وبدأا يلعقان ويتشبثان بثيابها بحماس. داعبتهما قليلاً، ثم أفرغت محتوى الكيس ليشرعا في الأكل بنهم.
بعد أن أنهيا، جعلتهما يدلفان إلى السيارة. دخلت المنزل وعادت وهي تجر حقيبة تحتوي محتوياتها. فتحت صندوق السيارة وأخرجت عبوات البنزين التي حرصت على إضافة مادة خاصة لتعزيز تفاعلها، ثم وضعت الحقيبة مكانها. بدأت بسكب البنزين ببطء بين أطراف الحديقة وداخل المنزل، حتى غطت كل الزوايا. ثم رمت ولاعة وأشعلت النار. صعدت إلى السيارة، ابتعدت قليلاً، وتوقفت تراقب النار وهي تندلع بشكل مهول.
أخرجت رواية من حقيبتها الصغيرة، وكان واضحًا من غلافها أنها ذات طابع مرعب. شرعت في القراءة، وهي لا تدري: أيهما أكثر رعبًا، ما تقرأه أم ما ارتكبته؟
بينما كانت النيران تلتهم كل شيء أمامها، واصلت القراءة بهدوء.
دوى انفجارٍ فجأة، فرفعت عينيها تراقب المنظر. وحين تأكدت أن كل شيء قد أصبح رمادًا، شغّلت السيارة وابتعدت عن المكان، متجهةً في رحلة جديدة برفقة صديقيها المخلصين، دون أن تدري ما الذي يخبئه لها القدر بعد.
تمت بحمد الله:

تعليقات
إرسال تعليق