قصة خلف الشاشة فاطمه الألفي
قصة قصيرة
خلف الشاشة ..
فاطمة الألفي..
جلست خلف شاشة الحاسوب تدق بأناملها تروي قصتها..
"أنا وجدان، وهذا ليس اسمي الحقيقي، لكن هذه قصتي"
سأرويها من حيث بدأ الألم، أنا الابنة الصغرى لوالدي ، يكبرني ثلاثة أشقاء شباب، أتعامل معاملة قاسية، كأن والدي لا يُريد انجاب فتاة، دائما يصرخ بوجهي بأن الفتيات يجلبنا العار ، أما الشباب فهم السند ، يغدقهم بالمال والمعاملة الحسنة ويترك لي نصيبي من البؤس والشقاء وأيضا الحرمان من حنان الأبوين، كبرت وأشتد عودي وأتت مرحلة الجامعة، ذهبت لعالم ملئ بالضحك والترابط، لكنني لا زلت وحيدة ، لم احظى بصداقات، كنت متجنبه كل شيء حولي، إلى أن دق باب بيتنا زائر الزواج، العريس المنتظر من قبل والدي، الذي سيخلصه من عبء الفتاة الذي يحمله على كاهله، لم أستطيع الرفض ، لم يخرج صوتي إلا بنطق الموافقة، وكيف أرفض من يخلصني من صقيع هذا البيت الذي لم أشعر يومًا بدفئه، ومرت الايام وتزوجت من شابًا وسيمًا ، شعرت حينها بأن الله سيعوضني عن مرارة حياتي السابقة وسيكون لي الامان والسند، ولكنني وجده غريبًا، يفضل العزلة والصمت، كنت أشعر بالوحدة في وجوده ، ظننت في البداية بأننا لا زلنا في أول طريق حياتنا وعلينا الصبر وتحمل كل مننا الآخر ، فهذا تغير طرق على حياتنا، وتأقلمت على تلك العيشه، أذهب للجامعة وعندما اعود لمنزلي أجد زوجي لم يعمل ولم يغادر غرفته، يظل صامتا ، يطلب طعامه كطفل صغير وعندما أتحدث معه واسأله لما يظل حبيس غرفته؟ لما لم يذهب لعمله أجد النفور في حديثه وينهال عليا بالسب والضرب وكأنه شخصا أخر غير الذي تزوجته.
لن أطيل عليكم مر عام يليه الاخر وانهيت جامعتي وأنجبت طفلي الأول والحياة كما هي، نسيت أن أخبركم من كان يتحمل مصاريف منزلي، حماي المصون، وزوجي جالس بالمنزل لا يعمل ، لم يغادره كأنه داخل زنزانه لا يفارقها ، لم يشاركني تربية طفلي وبعد ولادة طفلتي الثانية هجرني نهائيًا، كأنه يخشى أنجاب الاطفال وكثرة المسئووليه والمتاعب وازدادت نوبات جنونه في الضرب والمهانة.
كنت أضم صغاري أحتمي بهما من بطش يده، ينزعهم من بين يدي بكل قوة وتجبر، وكنت أره كمارد ضخم يبرحني ضربًا، يسحل جسدي، تأني عظامي، تنساب الدماء من رأسي، أشعر بأن دماغي تتأرجح بين كفيه الضخمة، وصوت صراخي لا يبالي به، كأنه جبلا من الجليد لن ولم يتزحزح، أحملي طفلي وأذهب إلى منزل والدي ولكن سرعان ما أعود محملة بالخيبات ، معدومة الكرامة، دموعي لم تجف، أنزوي بغرفة صغاري أذق مرارة الألم وحدي، أصمد من أجل اطفالي، هذه حياتي ولابد أن أرضى بها، مرت الايام والاعوام وتزداد الفجوة بيننا، ذات يوم عندما تأكدت من نوم الصغار، لأجت إلى هاتفي، أنشأت حسابًا على تطبيق التواصل الاجتماعي فيسبوك وكنت أقوم بأرسال صداقة لشباب أعرفهم وأعرف زوجاتهم ، بعضهم من الجيران المحيطين بي، والبعض الآخر ازواج الفتيات اللاتي بعمري وأعرفهن من الجامعة.
كنت سعيدة بتلك الخطوة، بداية أخرى لحياتي البائسة، بدأت رحلة لا أعرف نهايتها، لكن أعرف أنها بدأت من الداخل، من حيث الألم يتحوّل إلى حبر، والوجع إلى كلمات.
بدأت أول علاقة وأنا أستقطب شابا أعرفه حق المعرفة، أتودد له بمعسول الكلام، ويغدقني من فيض مشاعره الكاذبة، يرسل لي صوره الخاصه وهذا جعلني أتجرا أكثر وأبادله أيضا بأرسال صوري وأخفي ملامح وجهي، كان يطرئني بالغزل الجري الذي يشعرني بأنوثتي المدفونة تحت وطأة زوجي، وعندما يشتعل لهيب الانتقام داخل عقلي أجد نفسي ألتقط الشات الذي بيننا وأرسله لزوجته لكي تعلم حقيقة زوجها المخادع، وأنا أبتسم وأتلذذ بما فعلته، وأجلس مع نفسي أشعر بالانتصار بأنني حققت هدفي، بالفعل هذا هو هدفي لا أترك فتاة تنعم بعيشة هنية بجانب زوجها وأنا أتجرع مرارة القسوة، وأنا أنام دامعة العينين على حالي وحال ابنائي، وأنا حزينة على هجر زوجي لانوثتي ودفن شبابي، لما هن ينعمون بأحضان أزواجهم ولا يعلمون بالخيانة التي يخفيها عنها الزوج الذي تتباه به ، لابد وأن أفضح أمرهم ويتذوقوا من نفس الكأس .
لم أكتفي بمرة واحدة فقط، لا أحاول تكرار نفس الكورة مع شخص أخر، لكي أملئ فراغ قلبي المعطوب، ولكن لا زال داخلي يشعر بالخواء، ذات يوم أنكشف أمري، أنفضحت هويتي ولكني لم أخف ولم أرتجف كنت أشعر باللهو كأني طفلة صغيرة تلهو بدمية جميلة وفي لحظة سأمت منها ومزقتها بيدها لتبحث عن لعبة أخرى.
واجهتني زوجة بحقيقتي المزيفة أسفل قناع ذاك الحاسوب، هددتني بفضح أمري وتشيوه سمعتي لكي ابتعد عن زوجها وأيضا هددتني بنشر صوري، كل ما فكرت به في تلك اللحظة هم صغاري، ابتعدت عن تلك الأفعال الجنونية التي سأت إلى سمعتي واليوم قررت أن أكتب قصتي لأنني أطلب المساعدة والنصيحة، لا أعلم كيف فعلت بنفسي؟ هل أنا مخطئة حقًا ؟ لا أعلم لما وصلت إلى تلك النقطة وكدت أن أفقد حياتي لأنني لم أعد أعرف نفسي ولا شخصيتي الحقيقية ، أنا أبحث عن نفسي الضائعة، أريد أن أكون أنا ولكن لا أعرف كيف ؟
أنسابت دموعها بعد نشر ذلك المنشور على صفحات التواصل الاجتماعي دون أسمها الحقيقي وجلست تقرا التعليقات بعضهما متعاطف والبعض الآخر يجلدها بالاقاويل القاسية إلا أن أتت قطرة غيث تنشلها من الوحل ، فتاة تنصحها بالذهاب إلى طبيب نفسي فهي حقا تعاني مشكلة نفسية لابد من حلها لكي تتعافى وتجد نفسها التي تبحث عنها ...
ظلت تقرا هذا التعليق بقلب منفطر والدموع تنهمر دون توقف فهي حزينة، يائسة ،تعلم أنها أخطات في حق نفسها أولا، وعليها النجاة الآن.
لم تعد تفتح الماسنجر، ولم تعد تكتب تحت أسماء مستعارة. الهاتف الذي كان نافذتها إلى العالم صار عبئًا ثقيلًا، تخشاه كما يخشى الطفل الظلام. كانت تمضي ساعاتها في صمت، تحدّق في الجدران، وتسترجع كل كلمة قيلت، كل صورة أُرسلت، وكل لحظة شعرت فيها بأنها تملك شيئًا من القوة.
لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة، لم تكن تملك شيئًا.
★★★
ذات صباح، وقفت أمام المرآة. وجهها شاحب، عيناها غائرتان، وكأنهما تحملان ألامًا لا تُحصى. مدت يدها ولمست خدها، تتذكر أول صفعة من زوجها، ثم الصفعات التي جاءت بعدها، ثم الصفعات التي وجهتها هي للآخرين، لكن بالكلمات والصور.
كانت المرآة مكسورة، بها شرخًا صغير، لكنه انعكاسها. شعرت أن هذا الشرخ يشبهها تمامًا، ظاهريًا تبدو كاملة، لكن في الداخل، كل شيء متصدّع.
في تلك اللحظة، قررت أن تخرج إلى العالم الحقيقي. ارتدت ملابسها، وخرجت تمشي بلا وجهة. كانت خطواتها ثقيلة، لكنها ثابتة. وصلت إلى مركز صغير للاستشارات النفسية، لا تعرف لماذا، فقط شعرت أن عليها أن تدخل.
في الداخل، استقبلتها امرأة خمسينية، بابتسامة لا تشبه الابتسامات المزيفة التي اعتادت رؤيتها. سألتها:
-هل تحتاجين إلى التحدث؟
ولأول مرة، لم تكذب، لم تختلق اسمًا، ولم تخترع قصة قالت:
-أنا لا أعرف من أنا بعد الآن، لكنني أريد أن أبدأ من جديد.
هتفت الطبيبة بود:
- خذي وقتكِ، لا حاجة للاستعجال. ما الذي دفعكِ للمجيء اليوم؟
رغم شعورها بالتوتر قالت بصوت خافت:
-أشعر أنني تائهة، ضائعة، وكأنني أعيش حياة لا تخصني
- هذا شعور مؤلم، لكنه صادق. وأحيانًا، الاعتراف بالضياع هو أول خطوة نحو العثور على الطريق. هل تودين أن تخبريني عن كل ما يخص حياتك؟
خرج صوتها ضعيفًا يغلفه الألم:
-كل شيء بدأ منذ الطفولة... كنت أُعامل كأنني عبء، كأنني لا أستحق الحب ،ولدت في حي شعبي، لا يعرف الحلم طريقًا إليه. أمي كانت تنهكها الحياة، وأبي... كان قاسيًا بما يكفي ليجعلني أهرب من كل شيء، حتى من نفسي.
كنت أبحث عن الحب، لا كترف، بل كملاذ. لكنني وجدت العكس تمامًا.
تزوجت وأنا في الجامعة، لا حبًا، بل هربًا. ظننت أن الزواج سيمنحني الأمان، لكنه كان قيدًا جديدًا، بوجه مختلف. زوجي لم يكن يضربني فقط، بل كان يسرق مني شيئًا لا يُرى: ثقتي، صوتي، وحتى ملامحي.
كنت أعيش وحيدة، رغم وجوده. الوحدة كانت ثقيلة، فوجدت نفسي أمام شاشة حاسوبي، أبحث عن شيء لا أعرف اسمه.
أنشأت حسابات وهمية، تحدثت مع رجال غرباء، ضحكت، تظاهرت بالاهتمام، ثم بدأت ألعب لعبة أخرى.
أرسل المحادثات والصور إلى زوجاتهم. كنت أراقب انهيار علاقاتهم كما لو أنني أُطفئ نارًا تُقيد داخلي،
لكنني لم أشعر بالراحة. كل انتقام كان يتركني أكثر فراغًا، أكثر هشاشة.
كنت أعود إلى غرفتي، أحدّق في السقف، وأتساءل: هل هذا هو الانتصار؟
هل تحطيم الآخرين يعيد لي ما فُقد مني؟
كنت أظن أنني أستعيد السيطرة، لكنني كنت أغرق أكثر.
لم أعرف يومًا كيف يبدو الأمان. في طفولتي، كان الصمت هو اللغة الوحيدة التي لا تُعاقب.
في الجامعة، كنت أحب الأدب، لكنني لم أجرؤ على الحلم. كنت أراقب الفتيات يتحدثن عن الحب، وأبتسم بخجل، كأنني أراقب فيلمًا لا يُعرض لي.
حتى في ليلة زفافي، نظرت إلى نفسي في المرآة، رأيت فتاة ترتدي الأبيض، لكن عينيها كانتا رماديتين، تسألان: هل هذا هو طريق السعادة؟
مرت الأيام، وتعلمت كيف أُخفي الكدمات، كيف أبتسم حين يُطلب مني ذلك، وكيف أُطفئ نفسي تدريجيًا.
ثم جاء الإنترنت. نافذتي الصغيرة إلى عالم آخر.
كنت أكتب كما لو أنني شخص آخر، أضحك، أُغري، أُدمر، ثم أهرب، لكنني كنت أهرب مني، لا منهم.
هتفت الطبيبة بتأثر:
- يبدو أنكِ عشتِ سنوات طويلة في بيئة لا تعترف بإنسانيتك، ولا تمنحك حق الشعور أو التعبير. كيف كنتِ تتعاملين مع هذا الألم؟
تنهدت بحزن ثم قالت:
- في البداية كنت أصمت، ثم بدأت أكتب، ثم... بدأت أؤذي الآخرين، كما أُوذيت. كنت أبحث عن انتقام، عن صوت، عن شيء يجعلني أشعر أنني موجودة.
- هل شعرتِ أن هذه الأفعال منحتكِ القوة؟
أنسابت دموعها وهي تخبرها قائلة:
- نعم. لكن بعدها كنت أعود إلى وحدتي، أشعر بالخواء، بالذنب، بالخجل. لم أكن أبحث عن الأذى، كنت أبحث عن نفسي.
- ما مررتِ به ليس بسيطًا. أنتِ مجروحة. والجرح حين لا يُداوى، يتحول إلى تصرفات لا تشبهنا.
تساءلت بأمل :
- هل يمكنني أن أشفى؟ أن أعود كما كُنت؟
أجابتها بصدق:
- لن تعودي كما كنتِ، بل ستصبحين نسخة أكثر وعيًا، أكثر قوة، وأكثر حبًا لنفسك. هذا الطريق طويل، لكنه يستحق أن يُسلك. وأنا هنا لأرافقكِ فيه.
هتفت بحماس:
- أريد أن أبدأ، حتى لو كنت لا أعرف كيف
طمئتها قائلة:
-سنبدأ معًا، بخطوات صغيرة. أولها أن نمنح وجدان الحق في أن تُسمع، أن تُفهم، وأن تُحب دون شروط.
_كانت تلك الجملة بداية لحياة جديدة، حياة تُكتب بالدموع، بالاعترافات، وبالرحلة الطويلة نحو الذات_
★★★
سارت في طريق التعافي، لا تنظر خلفها إلا لتتعلم، ولا أمامها إلا لتتقدم.
بدأت تبحث عن عمل يليق بكرامتها، لا يستهلك روحها، بل يغذي طموحها.
وانشغلت بتربية أبنائها، تزرع فيهم القيم، وترويهم بحنانٍ لا يعرف التردد.
أغلقت حسابات التواصل الاجتماعي، لم تعد تهتم بما يُقال أو يُعرض،
فقد أدركت أن الحياة الحقيقية تُقاس بصفاء القلب وصدق اللحظة.
أصبحت أكثر هدوءًا، أكثر وعيًا، وأكثر قربًا من ذاتها التي كادت أن تضيع.
إنها لا زالت تمشي، بخطى ثابتة، نحو حياة تستحقها، حياة سعيدة وسط أبناءها، فقد تعلمت الدرس جيدًا ولم تستلم ثانيًا ..
"تمت"

تعليقات
إرسال تعليق