قصة البيت المهجور فاطمه الالفي

 _البيت المهجور_

فاطمة الألفي 


في خضم جائحة كورونا التي اجتاحت العالم كالنار في الهشيم، لم يكن أمام تلك العائلة سوى قرار واحد: الهروب. 

المدينة التي كانوا يعيشون فيها أصبحت كمدينة أشباح، صامتة، خالية إلا من صوت سرينة الإسعاف التي تمزق السكون ليل نهار. المرض كان ينهش الجميع بلا استثناء، ولم يعد هناك مكان آمن.

جلس "تميم"  بغرفة المعيشة، يراقب التلفاز الذي لم يعرض سوى أخبار المرض والوفيات المتزايدة، نظراته كانت تحمل ثقل القرار الذي عليه اتخاذه.  

هتف مناديا لزوجته بصوت يملؤه القلق:

-أحنا لازم نسيب هنا

ردت بدهشة متسألة:

-نسيب هنا! وهنروح فين؟

بتر كلماته بحسم :

-البيت القديم... القرية هدوء و الوباء مش وصلها 

لطمت صدرها بفزع:

-بس القرية بقت مهجورة دلوقتي ، أزاي أخد بناتي وأروح أعيش هناك؟

-ده الحل الوحيد اللي يخلي المرض مش يصيب بناتنا ولا حد فينا يتعرض له

أجابته دون اقتناع:

-بس أنا خايفة يا تميم، ماحدش بيهرب من المكتوب

زفر بضيق وقال بنبرة حازمة لا تتحمل الجدل:

-إللى بقوله هيتنفذ، جهزي البنات وأنا هنزل اشوف عربية تنقل حاجتنا وأجيب لوازم للاكل هناك ولما يخلص ابقى أنا أنزل اشتري الناقص من قرى جنبنا هناك.

أقنع زوجته بالعودة إلى منزلهم القديم في إحدى القرى النائية التي تركوها منذ سنوات طويلة، ظنًا منهم أن العزلة هناك ستكون ملاذًا آمنًا من الفيروس الذي يزحف بلا رحمة.  

جمع أغراضهم في الشاحنة الصغيرة، محملة بصناديق ممتلئة بالملابس، وعدد قليل من الذكريات التي قرروا حملها معهم،  جلست" نورا" صامتة بجانب زوجها، عيناها معلقتان على طفلتيها اللتين كانتا تجلسان في الخلف. كانت تعلم أن الحياة في القرية لن تكون سهلة، لكنها كانت تفضل مواجهة العزلة على مواجهة الموت، خوفا على صغارها.

عند وصولهم إلى القرية، استقبلهم هدوء غريب، كأنه صمت الطبيعة التي تتنفس وحدها بعد أن غادرها الجميع، المنزل الذي تركوه لسنوات بدا وكأنه وقف وحيدًا، محاصرًا بالأشجار البرية التي كبرت بلا عوائق. كان مهجورًا ومتهالكًا، لكن بالنسبة لهم، كان هذا كل ما تبقى.  


فتح "تميم" الباب بصعوبة، فصدر عنه صوت صرير مزعج كأنه اعتراض قديم على عودتهم، الخطوات الأولى داخل المنزل كانت مشحونة، شعور بالغرابة كأن المكان يحتفظ بأرواح من عاشوا فيه قبلاً. كل شيء كان مُغطى بالغبار، والجدران كانت تحمل آثار الرطوبة والزمن.  

لكنهم لم يدركوا أن هذا الهروب من المرض لم يكن إلا بداية لفاجعة أكبر… 

 كان المنزل مهجورًا.. كأنه بوابة لعالم منسي، يبدو وكأنه تجاوز عمر الزمن، جدرانه باهتة، بها ندوب لا تُمحى، النوافذ كبيرة، لكنها مغلقة بألواح خشبية مهترئة، وكأنها تحاول إخفاء ما وراءها. الباب الأمامي كان ثقيلًا، مصنوعًا من خشب متآكل، مغطى بخطوط محفورة بطريقة عشوائية، والسقف كان مائلًا، تتدلى منه قطع خشب مكسورة، ومع كل نسمة هواء، يصدر أنينًا خافتًا، كأن المنزل يتنفس ببطء، أمامه كانت الحديقة تحولت إلى غابة صغيرة؛ الأعشاب الطويلة تختلط بالأشواك، والنباتات المتسلقة تغزو الجدران بلا رحمة، لم يكن هناك أي إشارة للحياة، باستثناء غربان سوداء تحلق فوقه، وكأنها حراس لهذا المنزل.  

بمجرد أن عبرت الزوجة عتبة المنزل، اجتاحها شعور بالكآبة لا تفسير له، وكأن المكان يلفها بعباءة من الحزن والذكريات المجهولة، لم يكن هذا مجرد انطباع عابر، بل إحساس يسري الرجفة في أوصالها،  وكأن الهواء معبقًا بشتاء قارص ، رغم أن الخارج كان دافئًا، وكأن المكان يرفض استقبال الحياة الجديدة التي دخلت إليه. 

 نظرت "نورا"حولها، ولاحظت أن الأثاث يبدو كأنه مهجور منذ سنوات، مغطى بطبقة من الغبار التي لم تُمسّ منذ زمن بعيد.  

خطت خطوة أخرى إلى الداخل، فصدر صوت صرير خشبي من الأرضية، كأن المنزل يعترض على وجودها. ارتعشت يداها قليلاً، ووضعت حقيبتها أرضا، لكن عينيها بقيتا معلقتين في زوايا الغرفة، حاولت أن تُقنع نفسها بأن هذا مجرد إحساس وهمي، لكن قلبها كان يرفض التصديق. شيء في هذا المنزل أثار داخلها الريبة والخوف، حاولت تنفيض تلك الأفكار العالقة بذهنها عن الأماكن المهجورة والأرواح التي تسكنها وبدأت في ترتيب المنزل لكي يصلح للمعيشة..

 ★★★ 

الليالي الأولى كانت تحمل هدوءًا مخيفًا، كأن الطبيعة تتآمر معهم على شيء لم يحدث من قبل. ومع ذلك، لم يكن الهروب كافيًا… _البيت لم يكن فارغًا كما اعتقدوا_


ذات ليلة، حيث لا يُسمع سوى صوت الرياح التي تعبر بين الأشجار، كانت الطفلة ريم جالسة في غرفتها، تلعب بألعابها الصغيرة، وترتب دُماها، شعرت بحركة خفيفة خلفها، كأن شيئًا ما يراقبها، التفتت ببطء، لتجد شبحًا صغيرًا يقف في زاوية الغرفة، لم يكن مخيفًا بالنسبة لها، بل بدا وكأنه طفل مثلها، عيونه واسعة وابتسامته غامضة.  

سألته ريم بصوت بريء دون أن تدرك أن ذلك الكيان ليس بشرا مثلها :

-أنت هنا جاي تلعب معايا؟

لم ينطق الشبح، لكنه أومأ برأسه، وبدأ يتحرك نحوها، بينما شعرت ريم  بسعادة غامرة، وكأنها وجدت صديقًا جديدًا في هذا المكان الذي بدا لها مملًا..  

في اليوم التالي، استيقظت ريم بحماس، وذهبت إلى شقيقتها الكبرى "رهف"، التي كانت تجلس في غرفة المعيشة تقرأ كتابًا.  

قفزت ريم أمام شقيقتها وهي تهتف بفرحة:

-رهف! أنا شوفت صديق جديد،  لعب معايا طول الليل.

 رفعت"رهف" عينيها من الكتاب، ونظرت إلى ريم بابتسامة صغيرة:  

-صديق؟ أنتِ كنتِ بتحلمي يا ريم؟ 

 هزت الصغيرة رأسها بقوة:  

-لا، أنا شفته! كان في اوضتي، وكان جميل ولعبنا بالعروس بتاعتي. 

 ضحكت بخفة، معتقدة أن أختها الصغيرة تخيلت الأمر، وقالت:  

- ريم حبيبتي مافيش حد هنا غيرنا، ممكن يكون حلم. 

 شعرت "ريم" بالإحباط من عدم تصديق "رهف" لها، تركتها دون أن تقول شيئًا، وذهبت إلى غرفتها، أغلقت الباب خلفها، ووقفت أمام دولابها، الذي كان يبدو عاديًا تمامًا، ثم بدأت تبحث عنه وهي تفتح باب دولابها ببطء 

-أنت فين؟ تعال رهف مش مصدقة أنِ شوفتك.  

 لم يكن هناك شيء سوى الملابس المعلقة، لكن فجأة، بدأت الغرفة تشعر بالبرودة، وكأن الهواء نفسه تغير. ومن بين الملابس، ظهر الشبح مرة أخرى، عيونه تلمع بوميض غريب، وابتسامته أصبحت أكثر غموضًا.  

 لم تشعر بالخوف، بل كانت متحمسة لرؤية صديقها الجديد، جلست على الأرض أمام الدولاب، وقالت:  

-ليه مش بتتكلم؟ إنت جاي تلعب معايا؟"

لم يرد، لكنه اقترب منها ببطء، وكأن وجوده يحمل رسالة لا تستطيع الطفلة فهمها.  

★★★


بعد لقاء ريم بالشبح، بدأت تتغير بشكل ملحوظ، لم تعد تلك الطفلة البريئة التي تملأ البيت بالضحك واللعب، بل أصبحت أكثر انعزالًا وغموضًا، تقضي ساعات طويلة في غرفتها، تتحدث بصوت خافت وكأنها تخاطب شخصًا غير مرئي.  

بدأت تسمع أصواتًا غريبة، همسات تتردد في أذنيها، تقودها إلى القيام بأفعال غير مألوفة.

 ذات يوم، وجدت رهف، شقيقتها الكبرى، ريم وهي ترسم على الجدران رموزًا وطلاسم بألوان داكنة، عيناها مليئتان بالتركيز وكأنها في حالة من التنويم المغناطيسي.  

انتابها الخوف، ليس فقط من تصرفات "ريم"، بل من البرودة التي أصبحت تحيط بها، حاولت التحدث معها، لكن ريم كانت ترد بكلمات غامضة، وكأنها لا تتحدث من نفسها، بل من خلال شيء آخر.  

في إحدى الليالي، استيقظت رهف على صوت خطوات خافتة، لتجد ريم تقف أمام النافذة، تنظر إلى الظلام الخارجي، وتهمس بكلمات غير مفهومة، شعرت رهف بالرعب، لكنها جمعت شجاعتها وسألتها:  

-ريم، بتعملي أيه؟ وبتتكلمي مع مين ؟ 

 التفتت إليها ببطء، وعيناها كانتا تحملان نظرة مُرعبة، وقالت بصوت خافت:  

- صديقي هو جاي عشان يساعدني.


رهف لم ترى سوا شقيقتها فقط، ولم تعد قادرة على إستعاب ما يحدث لشقيقتها، قررت أن ذهبت إلى والدتها، وقصت عليها كل ما يحدث،  كانت كلماتها مليئة بالخوف والقلق:  

-ماما، ريم مش بخير، في حاجة غريبة بتحصل معها. ثم استطردت قائلة بخوف زائد:

بتتكلم مع شخص مالوش وجود، وترسم حاجات مخيفة على الجدران، أنا بقيت أخاف منها.  

شعرت والدتها بالصدمة، لكنها حاولت تهدئة رهف، رغم أن قلبها بدأ يخفق بعنف، كان عليها أن تواجه الحقيقة، أن هناك شيئًا غير طبيعي يحدث مع ريم، وأن هذا المنزل قد يكون السبب وراء كل ذلك.  


★★★

في ليلة مظلمة غاب القمر عنها، حيث لا يُسمع سوى صوت أزيز الرياح التي تُداعب حفيف الأشجار بالخارج، استيقظت العائلة على صوت خافت يُخترق صمت المنزل.

الخطوات تتردد في الممر الطويل، الأب أول من انتبه للصوت، نظر إلى زوجته التي كانت ترتجف من القلق، ثم نهض بهدوء، مُحاولًا أن لا يُصدر أي ضوضاء. تبعته الأم، وخلفها رهف التي كانت تضع يدها على قلبها، تُحاول تهدئة النبض السريع الذي يشبه قرع الطبول.  

عندما اقتربوا من غرفة المعيشة، رأوا ريم تسير بهدوء في الظلام، تحمل شمعة مضاءة بيدها الصغيرة، لكن الضوء المنبعث منها كان خافتًا، كأنه يُغذي الظلام بدلًا من أن يُضيء المكان. 

وهي تهمس بكلمات مبهمة، لم يكن هناك ترتيب لها، لكنها بدت وكأنها تحمل معنى غامضًا، كأنها تستدعي قوة ما، الكلمات كانت تتردد في جوف الليل تُشبه الصدى الذي يرفض التلاشي، وكأن الجدران تحفظه وتُعيده مرارًا وتكرارًا.  

تجمدت العائلة في مكانها، لا أحد يستطيع التقدم، الخوف كان يُحكم قبضته على كل واحد منهم، لكنهم لم يجرؤوا على تركها وحدها.  

وقفت ريم أمام المرآة في الصالة، دون حركة، تحمل شمعتها، تحدق في انعكاسها الذي بدا غريبًا، انعكاسها في المرآة  لم يكن مجرد صورة، بل بدا وكأن هناك شيء داخل المرآة يتحرك ببطء، شيء يُراقبها من العالم الآخر.

بدأت تهمس مرة أخرى، لكن هذه المرة بصوت أوضح قليلاً:  

-أنا جاهزة… 

في تلك اللحظة، اشتعل الضوء المنعكس في المرآة بشكل مفاجئ، كأنه يُحذر العائلة، وكأن هناك شيئًا يُحاول العبور من خلاله.

صرخت الأم بالوعة مناديا لصغيرتها لكي تتوقف عن ما تفعله، ولكن ريم لم تتحرك، كانت مستسلمة تمامًا، وكأنها لم تعد هناك، وكأن هذا الكيان قد أخذ السيطرة عليها بالكامل.  

 سارت مسلوبة الإرادة تغادر المنزل بخطوات هادئة، وكأن قوة خفية تُسيّرها دون إرادة، ولا زالت تحمل معها شمعتها الصغيرة، تضئ طريقها نحو الحديقة التي بدت مظلمة وكأنها تغرق في ضباب غامض، العشب الطويل يحركه نسيم بارد، ولكن ريم لم تشعر بشيء من ذلك. وجهها كان يحمل ابتسامة خافتة، لكنها كانت بعيدة كل البعد عن البراءة؛ كانت ابتسامة تحمل معنى أخر، كأنها تعرف شيئًا لا يعرفه أحد غيرها.  


وصلت إلى مكان محدد، حيث توقفت فجأة، ألقت الشمعة من يدها لينطفئ نورها، وركعت على الأرض. بدأت تحفر بيديها الصغيرتين حفرة عميقة، دون أي تردد، وكأنها تملك قوة خفية تساعدها على إتمام مهمتها التي انساقت لها.

بينما هي تحفر، لم يتوقف همسها. كلمات غير مفهومة تتردد على لسانها، وكأنها تُجري حديثا مع شخص مرئي. كلما تعمقت الحفرة، كان الصوت الذي تسمعه يزداد وضوحًا، همسات مشؤومة تملأ الهواء.  

وقفت للحظة، وابتسامتها ازدادت غموضًا. نظرت إلى الحفرة، ثم رفعت يديها، وكأنها تُبارك المكان. كانت تبدو وكأنها تُحضر شيئًا، أو تُجهز للأمر الذي كان يدعوها طوال الليالي الماضية ، مددت بجسدها الضئيل داخل الحفرة لتبتلعها الأرض في ثوانِ...


_كانت ريم القربان المُختار، الأمل الأخير الذي التهمته الأرواح الغامضة التي تسكن المنزل المهجور، لكي تعيش العائلة في سلام _

هربت العائلة من فيروس صغير، ظناً منهم أن الحياة في القرية النائية ستكون ملاذاً آمنًا، بعيدًا عن الخوف الذي عمّ العالم، لكنهم لم يدركوا أنهم كانوا يتوجهون إلى خطر أكبر، حيث أصبحت التضحية الكبرى من نصيب صغيرتهم.

 أدركوا الحقيقة المؤلمة؛ لا أحد يستطيع الهروب من مصيره، ولا أحد يستطيع تغيير الأقدار.   




تمت

#القربان_المُختار

فاطمة الألفي


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية المال مقابل القلب

رواية عندما يعشق الرجال للكاتبه قسمة الشبيني المقدمه والفصل الأول

قصة الزوج المسافر فاطمه الألفي

قصة زهرة الخريف فاطمه الألفي