قصة أين هي فاطمه الألفي


 "أين هي؟"


كانت خطواتها تتردد في الممر البارد، كل خطوة تصدر صدى كأن المكان نفسه يهمس لها "لا تقتربي". 

 أمامها المشرحة ، باب معدني ثقيل، يعلوه صدأ الزمن، وكأن الأرواح التي عبرت منه تركت آثارها عليه، نبض قلبها بعنف، وارتجفت يداها وهي تمدها لتفتح الباب. رائحة الموت تسبقها، تخترق أنفها وتغمر صدرها بثقل لا يُحتمل.

دلقت بخطوات متعثرة، والضوء الخافت ينسكب من مصباح يتأرجح في السقف، يلقي ظلالاً متراقصة على الجدران. والجثة ممددة على الطاولة، مغطاة بملاءة بيضاء، ساكنة كأنها تنتظر لحظة الكشف. اقتربت مترددة، وكل خلية في جسدها تصرخ: "لا تفعلي". لكنها فعلت، سحبت الملاءة عن الوجه...

تجمدت مكانها، هذا الوجه الذي أمامها ليس وجه أبيها، ملامحه غريبة، عينان مفتوحتان تحدقان فيها كأنهما تعرفانها.

خرجت منها شهقة رغماً عنها، تراجعت للخلف، اصطدمت بالطاولة خلفها، وصرخت تحاول الفرار من هذا المكان الذي يجثم صدرها .

ولكن قدميها تعثرت والتوى كاحلها أسفلها لتجلس أرضا باستسلام، بدأت الجثث من حولها تتحرك، وتقترب منها. أصوات خافتة صدرت عنهما، كأن أحدهم يهمس من تحت الأرض.

وهي لا زالت جالسة بلا حراك ، ينتفض جسدها وهي تحدق في الجثث المحيطة بها ، وهم يقتربوا منها ببطء.

أصاب جسدها البرودة ، وتحولت الغرفة إلى صقيع ينهش جلدها، تحاملت على يديها لكي تنهض وتسرع في الهروب، ركضت نحو الباب، لكنه لا يُفتح. جف حلقها وتقطعت أنفاسها اللاهثة، كأنها تصارع الموت والجثث خلفها تقترب منها ، بينما هي تتسارع في خطواتها، وخرجت صرخاتها تملأ المكان، نجحت في عبور الباب و

خرجت من المشرحة، تركض في ممرات المشفى المهجورة والضوء ينطفئ خلفها، واحداً تلو الآخر، كأن الظلام يطاردها.والأبواب تُغلق خلفها،  تُصفق النوافذ، بينما الهواء ثقيلا كأنه يحمل أرواحاً غاضبة.

وصلت اخيرا إلى باب المشفى، وجدت الطريق أمامها مظلم، لا ترى سوى خيالات تتحرك.

وكل خطوة  تخطوها تغوص أكثر في العتمة، لاحقت بها أيادٍ باردة، تخرج من تحت الأرض، تلمسها، تحاول أن تسحبها معها، تخدش جلدها، وتتقاطر منه الدماء ،صرخت ولكن صوتها كأنه حبيس لم يخرج.

كأن المكان ابتلع صوتها، وتركها وحدها في مواجهة الموت.

وفي اللحظة الأخيرة، قبل أن تُسحب تماماً، فتحت عينيها...

لكنها لا تعرف أين هي.

هل خرجت؟ أم أصبحت واحدة منهم؟



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية المال مقابل القلب

رواية عندما يعشق الرجال للكاتبه قسمة الشبيني المقدمه والفصل الأول

قصة الزوج المسافر فاطمه الألفي

قصة زهرة الخريف فاطمه الألفي