الفصل الثاني من الفامبير الاخير عودة مصاصي الدماء لهاله الجمسي

 الفامبير الأخير 


ألقى زكريا نظرة سخط على صفية زوجته التي أغلقت الباب خلفها وهي تردد:


ـ عفريت، عفريت٠

هتف زكريا في صوت غاضب:

ـ انت شكلك اتجننتي وعقلك طار، عفريت اي يا ولية؟ دا العفريت بخاف منك ومن وشك دا٠

أشارت صفية إلى الخارج وبصوت مرتعش تابعت:

ـ المقبرة القديمة، الخفافيش طلعت، المقبرة، المارد طلع خلاص٠

جسد صفية الذي يرتعد من الخوف، وجهها الذي علاه الابيضاض من جراء هروب الدم منه، والفزع الذي يبدو على وجهها، جعله يدرك أن زوجته شاهدت أمر يفوق تحملها، أمر مرعب بحق،  وشعر بالشفقة حيالها، لهذا أجل رغبته في فتح الباب وادعاء كذبها، وقام بوضع يد على جسدها الذي يرتج في عنف وقال:

ـ طيب تعالي هنا بس يا صفية ، استهدي بالله٠


امسك زكريا كوب من الماء وقام على وضعه على فمها  وتابع وهو يسقيه لها عمداً حتى تهدأ قليلاً:

ـ انت بس بيتهيألك، ايوا،  الليل و الضلمة و الهوا اللي بيهز ورق الشجر هما اللي بيصور ل دماغك كدا،اقولك نامي وأنا هنا جنبك أهو، متخافيش نامي بس٠


لم يكن أمام صفية سوى أن تخبيء جسدها ووجهها في البطانية، رغم ضوء المصباح الذي ينير المكان ويظهر بوضوح عدم وجود أحد سواهم هي و زوجها ولكنها كانت تشعر بالرعب، تشعر بوجود شخص ما في المكان، ولم يكن هناك شيء يجعلها تشعر ببعض الأمان سوى صوت أنفاس زوجها وهو يجذب أنفاس الشيشة في هدوء شديد، وهو يحاول أن يعود إلى طبيعته ويطرد الأفكار والتساؤلات من عقله، 

ما الذي شاهدته صفية جعلها تفزع لهذا الحد؟ 

عفريت!! ربما كان أحد الكلاب الضالة التي مرت فجأة أمامها قد جعل قلبها يهوى بين ضلوعها من الرعب، ولكن لقد قالت هي شيء عن المقبرة، أجل المقبرة التي يعلم جميع أهل البلدة أنها مغلقة منذ سنوات وسنوات، المقبرة التي كان والده يتجنب السير من أمامها، ويخبره دائماً أن تلك المقبرة 

مغلقة بقوة كبيرة 

وما تم دفنه أسفلها

روح كانت تحمل شر كبير، وكما قالت والدته ذات يوم وهي تبصق

عن شمالها  وتلتفت يسار ويمين مارد جبار وسرعان ما أغلقت تلك الحكاية إلى الأبد 



أخبره والده في أحد الأيام أن ما اغلقه الجدود لا يجب أن يفتح ابداً، وهو في حياته كلها يمر على المقبرة في أوقات النهار فلا يشعر بإختلاف يذكر، مقبرة مثل باقي المقابر 

الفرق فقط في قدمها 

فهي أول مقبرة تم إنشاؤها في هذا المكان 


ما كاد الصباح يأتي بعد تلك الليلة، حتى نهض زكريا من مكانه واسرع في ارتداء حذاءه ، القي نظرة على زوجته التي تردد في رعب بضع كلمات رغم نومها، وهذا ما جعله يعقد العزم على الذهاب الى تفقد المقبرة


في طريق الذهاب، كان زكريا ينظر إلى المقابر مثل من يتفقد أملاكه، يراجع بذاكرته وصوته مرتفع كأنه يطمئن ذاته ويثبت لعقله أن زوجته تتخيل اشياء لا صحة لها:

ـ مقبرة عيلة رشوان جنب مقبرة عيلة الحفيظ، ومقبرة ولاد صبر جنب مقبرة الصادي، طيب مقابر الصدقة اهي في الجهة الشرقية واحدة، والجهة الغربية اتنين، ثم ارتعشت قدمه فجأة وهو يشاهد عن بعد المقبرة القديمة، كاد أن يعود إلى منزله مرة ثانية، ما شاهده كان أمر غير مألوف، أمر لم يشاهده من قبل أمام المقبرة القديمة، وما جعله يتعجب من الأمر، أنه يكنس بين المقابر كل يوم ويرش الماء، لم يشاهد هذا الريش أمس في الصباح  ريش أسود مختلط بدماء أمام المقبرة، ريش تفوح منه عن بعد رائحة قوية، رائحة تشبه جلد محترق، 

كاد أن يعود مرة ثانية إلى منزله وقد دب الخوف في قلبه، 

ولكن ضوء الشمس وأصوات السيارات على جانب الطريق جعله يوبخ ذاته على تفكير الطفولي، قد يكون إحدى الكلاب قد  قام على أكل إحدى الطيور وترك بعض منها هنا في الليل، لا يوجد تفسير سوى هذا، وما أفزع صفية بالأمس هذا الكلب،  وقف زكريا في منتصف الطريق ينظر هنا وهناك، الأمر لا يبدو طبيعي، هناك أمر مختلف وشاذ  عن القاعدة ثم مال بجسمه إلى الأمام وهو يحاول أن يشاهد الصورة كاملة عن بعد ، شاهد بعض أكوام من التراب أمام القبر الذي بالداخل ثم هتف في صوت غاضب:


ـ اي التراب دا كله؟ في حد كان عايز ينبش المقبرة بليل ٠


 أقترب زكريا خطوة واحدة فقط، وقف أمام المقبرة القديمة ولكن على بعد مسافة قليلة، يلمع جزء ذهبي في ضوء الشمس، يلمع في توهج أقترب زكريا منه ثم رفعه إلى أعلى، سبيكة ذهبية ثقيلة الوزن، وضعها زكريا في جيبه في هدوء وهو يلتفت حوله هنا وهناك، على بعد سنتيمترات   القفل  الخاص بالمقبرة ملقى على الأرض، 

هتف زكريا  في صوت منخفض

مثل من يوبخ نفسه:

ـ كله دا وانا قاعد هنا نايم على ودني؟ يعني سرقوا الدهب واتقاسمو هنا وخبوه كمان، يا ولاد الكلب، ليها حق صفية تقول عفاريت ومارد ٠



ألقى زكريا نظرة على الريش الملطخ بالدم ثم نظر إلى الشجرة التي تجاور المقبرة وتابع مثل من يحاول أن يرتب الأفكار في عقله:

ـ واي أ

لزمة الريش دا؟ هما كانوا جايين كلب معاهم ولا اي؟  

ثم تذكر فجأة كلمات زوجته عن الخفافيش فابتسم وهنأ ذاته أن كل أفكاره صائبة، فأعقب

ـ  يا ترا مين اللي سرق؟ 





كادت خطواته أن تقترب اكتر،  ولكن صوت سيارة الشرطة التي تدوى بصوت مرتفع في المكان جعله ينطلق عائداً إلى منزله وهو يقول:

ـ  آه كدا خلاص كشفوهم، الحق صفية بقا بدل ما تجر نفسها وتجرني وراها، ما أنا عارفها ملسوعة وخفيفة ٠


بعد أن وصل إلى منزله اغلق الباب خلفه في هدوء وحرص شديد،ثم أيقظ زوجته قائلاً:


ـ اسمعي يا صفية أنا مش عايز حد يعرف سيرة عن اللي حصل في الترب بليل، سامعة ولا لا؟ لا تقولي شفت عفريت ولا خفافيش، متقوليش اي حاجة، قولي كنت نايمة٠


وجه صفية الذي لا يزال يحتفظ بالفزع به، جعلها تهز راسها علامة الموافقة وهي تنظر إلى زوجها في خوف شديد، مما جعله يتابع:

ـ لو حد سألك قولي له أنا نايمة من المغرب، أنا تعبت من الصويت واللطيم وأنا بجامل  في  عزا  امبارح فاهمة؟ يا بت، لا كلمة زيادة ولا كلمة نقصان، وأنا هقول اني كنت في البر التاني، مستنى  أجيب الواد الغريق مع اهله، وشايل معاهم الكشافات، وكدا كدا أنا قعدت معاهم ساعتين وبعدين مشيت يعني الكل شاف وشي هناك، محدش هيقول لا 

مكنش معانا٠

هزت صفية رأسها في اذعان ثم انطلقت  الدموع تطفر من عينيها، وهي تتذكر ما شاهدته ليل أمس من رعب وفزع

في حين تابع هو:

ـ مش عايزين وجع دماغ،  ولا وجع قلب،  احنا شغلنا هنا ندفن الاموات ، وكل تربة هنا مقفولة باللي فيها، كل عيله فيها امواتها، مافيش غير التربة اللي محدش عارف هي تبع مين؟ ولا مين اللي مدفون فيها وشغلهم هما بقا يشوفوه٠


هزت صفية رأسها ثم وضعتها على الوسادة وجذ بت البطانية على جسمها في حين تابع زكريا وهو يؤكد لها:


ـ لازم نسكت،  علشان الصاحيين والميتين محدش فيهم يزعل، واي فايدة الكلام؟ 



 وضع زكريا أذنه خلف نافذة الغرفة، استمع زكريا إلى صوت الظابط في الخارج  وهو يهتف في قوة:

ـ فين زكريا؟ زكريا٠


فتح زكريا الباب في هدوء وهو يقول:

ـ أنا هنا يا بية، يا مئة ألف مرحب٠

 قال الظابط  شادي وهو يضع يده على كتفه:

ـ تعرف شاكر النعيمي؟ 

هز زكريا رأسه علامة الموافقة:

ـ ايوا اعرفه طبعاً واعرف كل واحد هنا في البلد، أنا متربي هنا واعرف الصغير والكبير ٠


تابع شادي وهو ينظر إلى العساكر الذين يحيطون بالمكان:

ـ شفته آخر مرة امتا؟ 

تابع زكريا في هدوء:

ـ من يجي  سنة ٠

 شادي نظر له في عدم تصديق وتابع:

ـ سنة بحالها؟ 

هز زكريا رأسه علامة التأكيد في حين تابع زكريا:

ـ لا مؤاخذة يا سعادة البية هو ماله شاكر؟ 

أشار شادي إلى الجهة المقابلة من المقابر ثم تابع:

ـ لاقوه من دقائق ميت هناك، ميت في أول المقابر٠


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية المال مقابل القلب

رواية عندما يعشق الرجال للكاتبه قسمة الشبيني المقدمه والفصل الأول

قصة الزوج المسافر فاطمه الألفي

قصة زهرة الخريف فاطمه الألفي